ورد في بداية دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين (ع) قوله: (إلهي لا تؤدبني بعقوبتك) وسنقف في هذا المقال القصير مع هذه العبارة وقفة تأمل، سائلين الله أن ينفعنا بهذه الجواهر الثمينة.
يتعلق التأديب بتقويم سلوك الفرد، وتعويده على مكارم الأخلاق، والإنسان المتأدب هو الذي يعاشر الناس معاشرة حسنة ويعاملهم معاملة طيبة، ويتمكن من ضبط نفسه ويتحكم في تصرفاته، بحيث لا يخرج عن نطاق الأخلاق الحسنة.
أساليب التأديب:
التأديب له عدة أساليب، هناك من يتأدب بلحظة من لحظات التفكر، وهناك من يتأدب بسماع عبارة مؤثرة، أو منظرٍ معبِّر، وأو كلمة صادقة، أو عاقبة سيئةٍ لشخص ما، أو بتقليب صفحات التاريخ والنظر في حياة الفراعنة والأكاسرة و القياصرة والجبابرة والمستكبرين والعاصين واللاهين, والإنسان له قابلية على التأدب والتأثر من مراحل طفولته، فالعملماء يشيرون إلى أن الطفل الطبيعي يتعلم التأديب والتهذيب من خلال التواصل غير اللفظي في البداية ومن ثم التواصل اللغوي، فالطفل في سنته الثانية من العمر قادر على معرفة معنى رفع الصوت والنهي وتعبيرات الوجه كما تأشيرة الأصبع للنهي أو الوعيد، يتعلم هذه الإشارات ومغزاها، وأسلوب التعامل معها. ومع هذه القابلية المبكرة إلا أن هناك من تتعطل عندهم هذه القابلية فلا يتأدبون إلا بالعقوبة بل وبعضهم ينال العقوبة والعذاب، ثم بعد ذلك يرجع إلى الذنب كأن شيئاً لم يكن وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة التي تقول إن أهل النار لو رجعوا إلى الدنيا لاشتغلوا بالمعاصي والسيئات، فالذنب والمعصية قد تمكنت منهم إلى درجة أنهم حتى لو رأوا النار وعاشوا فيها ثم أخرجوا منها لعادوا لتلك الذنوب، قال الله تعالى : {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[1].
قصة واقعية:
وهذا الكلام له شواهد في الواقع فكم من شخص يؤمن إيماناً موسمياً الإيمان الذي يشعر به حين يداهمه الخطر أما إذا ابتعد عنه الخطر فإنه يرجع إلى ذنبه ومعاصيه، قال الله تعالى : (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)[2]، وقد نقل لي أحد الأصدقاء قصة واقعية حيث أن مجموعة كبيرة من الورثة أرادوا تقسيم الأرض التي سيرثونها ولتسهيل العمليات القانونية اقترح عليهم المحامي أن يسجلوها باسم أحدهم حتى لا يذهبوا جميعاً إلى المحكمة – تسهيلاً للأمر – فعملوا بالاقتراح ثم أنكر هذا الشخص حقهم في الأرض واغتصبها منهم – خلافاً للاتفاق – ثم مرض مرضاً أشرف فيه على الموت، فأمر أولاده بإرجاع الأرض لأصحابها، ثم بعد أن شُفيَ من مرضه رفض إرجاع الأرض !!!
العناية بالقابلية:
إذن نحن مأمورون بالعناية بقابلية التأديب حتى نتأدب، نحن لا نرفض التأديب، فالفقرة من الدعاء لا تقول : "إلهي لا تؤدبني" ولكنها تحصر رفض التأديب بالعقوبة، والعقوبة لا تقف عند العقوبة المادية من الفقر والمرض والعناء والشقاء الدنيوي، ولكن العقوبة أيضاً لها مصاديق أخرى، فعن الباقر (ع) : "إن لله عقوبات في القلوب والأبدان : ضنك في المعيشة، ووهن في العبادة، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب"[3].
نتيجة الكلام:
نستفيد من الفقرة السابقة من دعاء أبي حمزة الثمالي أن الناس على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : المتأدبون بغير العقوبة وهم أفضل الأقسام الثلاثة، وهم الذين يتأدبون بالكلام الحسن، ويتعظون بالمواعظ، ويتفكرون في الحوادث والعبر المختلفة.
القسم الثاني : المتأدبون بالعقوبة، وهم الذين لا يتأدبون إلا بعد أن تحل عليهم العقوبة – المادية أو المعنوية – وللعقوبة آلامها وخسائرها ولذلك فإن الإمام زين العابدين من خلال هذه الفقرة لا يريدنا أن نكون من هذا القسم بل يريدنا أن نرتقي إلى القسم الأول بحيث لا نحتاج إلى العقوبة لكي نتأدب.
القسم الثالث : وهم الذين لا يتأدبون بالعقوبة ولا بغير العقوبة، وهم أسوء الأقسام الثلاثة والعياذ بالله تعالى، فهؤلاء يفقدون قابلية التأديب بكل الأساليب، ومن هنا لا تنفع معهم المواعظ وذلك بسبب الرين الذي يحجب قلوبهم عن الاستفادة منها.
--------------------------------------------------------------------------------
[1] سورة الأنعام - سورة 6 - آية 27 ـ 28 .
[2] سورة العنكبوت - سورة 29 - آية 65 .
[3] أصول الكافي ج2 ص 173 .