حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


بين الأذن الواعية والأذن اللاهية

17
مارس
2010
abumuntadhar — @ 10:33

بين الأذن الواعية والأذن اللاهية
بقلم: السيد هاشم الموسوي

التعاليم الإسلامية تحث الإنسان على التحكم بجوارحه، ومن أهم هذه الجوارح هي جارحة الأذن المعنية بالاستماع، وتمر عبرها الكثير من المعارف العلمية والمواعظ الأخلاقية من جانب، وكلمات الفحش والبذاءة والانحراف من جانب آخر، ومسؤولية الإنسان تكمن في اختيار ما يسمع، فكما أن مسؤوليته عن العين أن يختار ما تشاهد، ومسؤوليته عن الرجل أن يحتار الدرب الذي تمشي فيه، ومسؤوليته عن اليد أن تكسب الرزق الحلال وأن تكف عن الاعتداء على الأبرياء، كذلك مسؤوليته في اختيار المجلس والأصحاب والكلام الطيب الذي يرفع من درجته عند الله.

الانصات الخطوة الأولى للدعوة

السماع هو مجرد وصول الذبذبات الصوتية إلى الأذن دون أن يعيرها السامع إهتماماً، أما الاستماع وهو من الافتعال ويدل على المبالغة فهو يعطي الكلام اهتماماً خاصاً ومقصوداً، وقد أمر الله تعالى نبيه موسى بالإستماع فقال : (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) طه:13، أما الإنصات فقد جاء جاء في لسان العرب : " ينصتن للسمع أي يسكتن لكي يسمعن" (1). قال تعالى : ( وإذا قرئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) الأعراف: 204. ومن المرجو أن يثمر الإنصات إلى القرآن ثماره على النفس البشرية لما له من تأثير كبير على تربية الروح الإنسانية، ولو وقفنا على آية أخرى تتكلم عن إنصات الجن للمسنا هذا المعنى، يقول الله تعالى: ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين* قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم* يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) الأحقاف:29-31، إذن الانصات والاستماع باهتمام يهيئ السامع لدخول مرحلة التفكر في الآيات واستيعاب معانيها والبحث عما لم يفهم منها، وبالتالي تبليغها ليدخل هذا المنصت لآيات القرآن في مرحلة (حمل القرآن) فيحمل القرآن إلى قومه كما فعل هؤلاء الجن المؤمنون. وقد أثنى الله على النصارى الذين لم يستكبروا على الحق وأذعنوا له وتأثروا بما سمعوا من كلام الله تعالى فقال : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة :(83).

الأذن بين الوعي واللهو

وقد وصف الله تعالى الأذن بالوعي، فهناك فرق بين الأذن الواعية و الأذن اللاهية قال تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) الحاقة: 11-12 . وقد وردت أحاديث تشير إلى أن النبي (ص) قال سألت الله أن يجعلها أذن علي (ع) كما ورد في عشرات الأحاديث التي رواها الشيعة و السنة (2)، فهذه هي الأذن الواعية أما الأذن اللاهية فقد نهى الله تعالى عن لهو الحديث فقال تعالى : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) لقمان : (6)، وللهو الحديث عدة مصاديق أبرزها الغناء. (3)

حواجز لمنع وصول الكلمة

عندما أدرك الكفار أثر القرآن الكريم فإنهم حاولوا أن يصرفوا أسماع الناس عن سماعه خشية أن يتأثروا بألفاظه العظيمة فعمدوا إلى اللغو على طريقة التشويش على الإذاعات في العصر الحديث؛ حتى لا يستمع الناس إلى القرآن الكريم، قال تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) فصلت: 26.

الاستماع إلى المعارف والمواعظ

إذا نجح الإنسان في ضبط الكلمات التي تدخل إلى سمعه عن طريق الأذن، فاختار ما ينفعه من العلوم والمعارف والمواعظ والحكم، فإنَّ لهذا الإستماع الأثر الكبير في تقويم سلوكه وتثبيت عقيدته الحقة، أما إذا ترك سمعه مفتوحاً لأي كلام يصادفه ومن أي جهة من دون أن ينتقي ما يفيده، فإن ذلك سينعكس على صفاء روحه وعلى أخلاقه وعقيدته ودوره في المجتمع. قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) الزمر : 17-18، وفي خطبة الإمام علي (ع) في وصف المتقين يقول : ( وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) (4) فهؤلاء لا يسمحون للقيل والقال أن يعبر عبر أسماعهم لما له من تأثير سلبي على أرواحهم وقربهم إلى الله تعالى.

الاستماع إلى الطرف الآخر

من الضروري في الحوار إعطاء الطرف الآخر فرصته لكي يتكلم، وفي الكثير من الأحيان يتسبب عدم الإستماع إلى الطرف الآخر في عدم فهم ما يريد أن يقول، وكان النبي (ص) يحسن الاستماع إلى درجة أن الكفار قد عابوا عليه وقالوا أنه (أذن) أي كثير الإستماع قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة (61)، الأذن في الأصل تطلق على الحاسة السامعة، لكنها تطلق على الأفراد الذين يصغون كثيرا لكلام الناس أو كما يقال : شخص سمَّاع، والمنافقون اعتبروا هذه الصفة من نقاط الضعف عند النبي (ص) وفي الواقع هي من نقاط القوة لأن النبي استطاع أن يكسب بها ثقة الناس ومحبتهم ولذلك قال الله تعالى : (قل أذن خير لكم) (5). فإذا نجحنا في اتقان فن الإصغاء والإنصات والاستماع سنكسب الكثير من الخيرات والبركات والخبرات والعلوم والمواعظ و الحكم.

ــــــــ
(1) ابن منظور، لسان العرب، قم ، نشر أدب الحوزة، ج2، ص 98.
(2) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل،بيروت: مؤسسة البعثة، ج 18،ص527.
(3) انظر المرجع السابق، ج 13،ص16.
(4) الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، خطبته في وصف المتقين.
(5) انظر تفسير الأمثل، ج6، ص 95.

دور القصيدة الولائية في تثبيت العقائد الإسلامية

02
مارس
2010
abumuntadhar — @ 23:28

دور القصيدة الولائية في تثبيت العقائد الإسلامية
بقلم: السيد هاشم الموسوي

تتناول القصيدة الحسينية الكثير من الجوانب التي يمكن استلهامها من واقعة الطف التي تتدفق بقوة عبر الزمان بسيلٍ غزير يغمر الأرض ويروي العطشى وينهل منه من شرح الله صدره للإيمان، وبقي في قلبه شيءٌ من ضمير حي، الإمام الحسين (ع) يقول: " إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب" والإصلاح الذي يتكلم عنه الحسين إصلاح شامل يأتي على رأسه إصلاح العقيدة لأنَّ الأمة في زمن يزيد أصبحت مهددة في عقيدتها من قبل زمرة كانت تتربص بالإسلام الدوائر وتنتظر الفرصة حتى تنقضَّ على الإسلام وتقوِّض دعائمه، وهذا ما أشار إليه الشاعرالسيد جعفر الحلِّي الذي يؤكد أن الحاكم آنذاك وهو يزيد لم يسلم من الشرك، وأن سيفه قد فتك بالتوحيد المتمثل بالإمام الحسين (ع) حيث يقول:

هل كيفَ يسلمُ من شركٍ ووالــُدهُ***** ما نزهتْ حملَهُ هندٌ عن الشُــركا
لئن جرتْ لفظةُ التوحيدِ في فمِهِ ***** فسيفـُهُ بسوى التوحيدِ مَا فَتَــــكَا
قد أصبحَ الدينُ منهُ يشتكي سُقُمَاً***** وما إلى أحَد ٍ غيرَ الحسينِ شكــــا
فمارأى السبطُ للدينِ الحنيفِ شفاً ***** إلا إذا دمًهُ في كــــربلا سـُفـكا

إنَّ ثورة الإمام الحسين ثورة تستهدف الحفاظ على أهم أركان العقيدة وهو توحيد الله سبحانه وتعالى بعد أن نشبت أظفار أولئك الوحوش التي حشرت لحرب هذا الدين وتمكنت من الوصول إلى قمَّة القرار السياسي في الأمَّة بعد تشرذم الرعية وابتعادها عن الحصن المنيع الذي أمر النبي (ص) بالتمسك به وهو كتاب الله وعترة نبيه (ص)، ومن هنا جاءت القصيدة العزائية لتثبت مفهوم التوحيد الإسلامي في مقابل ذلك الوغد الحقير الذي أعلن:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا***** جزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهـلوا واستهلوا فرحا*****ثم قــــالوا يا يزيد لا تشلْ
قد قتلنا القرمَ من ساداتِهم*****وعدلناه ببــــدر فاعتدلْ
لعبتْ هاشمُ بالملكِ فلا*****خبر جاء ولا وحي نــــزلْ

مسألة التوحيد حاضرة في القصيدة الولائية، وينبغي أن تكون كذلك لأنها من أهم محطات الخلاف بين خط أهل البيت (ع) وخط الإنحراف المتمثل في الحكم الأموي المنحرف وأتذكر منذ صغرنا ونحن نسمع تلك القصيدة الرائعة للرادود المرحوم حمزة الصغيِّر:
سورة التوحيد تحرير العقول***** ثورة إنسانية فجَّرها الرسولْ
هي دستور حياتي**** هذه معتقداتي
وبها العدل استقام**** هذا ديني

ومثلُ هذا الفكر ينبغي أن يوضح من خلال المراثي العزائية، حتى يتبين للسائل أن الخلاف بين الإمام الحسين (ع) ويزيد هو خلاف بين الإيمان والكفر، بين الطاعة والفسوق، بين التوحيد والشرك، بين الخير والشر، بين النور والظلام.

هذا بالنسبة للتوحيد أما بالنسبة للعدل فكثير من الأبيات تتكلم عن أن الله عادل وسيقتص من الظالم والطاغوت الذي تعدَّى على حرمات الله وقتل ابن رسول الله (ص) ظلماً وعدواناً وحبَّاً في الدنيا وطاعة للهوى والشيطان، قال الشاعر:

لا بدَّ أن تَرِدَ القيامة َ فاطمٌ***** وقميصُها بدَمِ الحسينِ ملطـخُ
ويلٌ لمن شفعاؤهُ خصماؤُهُ***** والصُورُ في يومِ القيامةِ يُنفخُ

إذن مُقتضى العدل الإلهي أن يحاسب ويعاقب الظالم، ويأخذ حق المظلوم في يوم القيامة، كيف والمظلوم هو خير البرية الذي أفجع قتله سيدة نساء العالمين فاطمة التي ستشتكي يوم القيامة على من فجعها بابنها الذي ما كان له ذنب سوى أنه دافع عن شريعة سيد المرسلين محمد (ص).
وفي موضوع النبوة يقول الشاعر الأستاذ عبد الزهراء المولاني في ديوانه الموسوم بـ ( الشموس):
أسائل الرهبان عن شريعة المرسلْ***** متى سيأتي يرفع العالمَ من شقوة
أجوبُ في الكهوفِ عَلِّي ألتقي دربي***** عليِّ أعودُ بالأحاديث التي تـُروى
قرأتُ في الإنجيل عن أحمدَ عن طه***** يأتي يغيثُ الناس بالفرقانِ والقدوة
وهاو العالم يرجو أن يرى نوراً***** تنور حبيبِ الله يغزو عالم القوَّة

والشاعر الأستاذ يشير إلى أن النبي محمداً قد بشر به الأنبياء الذين سبقوه وذُكر في الكتب السماوية السابقة.

وفي جانب التمسك بالنبي وآل بيته الكرام أبيات لكاتب المقال يقول فيها:

من ماتَ على حبِّ محمَّد***** والآلِ فقد ماتَ شهيدا
منْ يتمسَّك بولايـــــتهم***** يأتِ يومَ الحشر ِ سعيدا
من يطرق باب الآل فلن***** يرجع بالخيبةِ مردودا

أما في التسمك بالولاء لعلي فلكاتب هذا المقال أبيات شعرية يقول فيها:

حفِظْتُ ورودَكَ في خَاطري***** ورحتُ أشمُّ عبيرَ الغري
وأبحرُ فيكَ فهل يا ترى***** سأدركُ ما فيكَ من أبحرِ
فتحتُ عيوني ونورُكَ قد***** عشاني فما أنا بالمبصر ِ
فأينَ أنا من عليٍّ وهل***** أساوي غباراً على قمبر
ِولكنَّني قلتُ لا بدَّ أن***** أسطر شيئاً على دفتري
لعلِّي أفوزُ بألطافهِ***** إذا جئت بالذنبِ في المحشرِ
ِعليٌّ ومن لعلاكَ اعتلى***** وقال سلوني على المنبرِ
عليٌّ مع الحق ِ والحقُ في***** عليٍّ تجسَّدَ في بشرِ
ِوثاني ثقلين ِ لو أمسكوا***** به لم يكونوا على خطرِ

إضاءات أدبية على أبيات الكراني

01
مارس
2010
abumuntadhar — @ 22:15

إضاءات أدبية على أبيات الكراني
بقلم: السيد هاشم الموسوي

هذه بعض الإضاءات الأدبية على أبيات تمثل جزءا من فقرة من فقرات قصيدة موكبية كتبها الشاعر سلمان الكراني في ذكرى الأربعين 1431، أحببت أن أبدي فيها وجهة نظري التي قد يوافقني عليها الشاعر وغيره وقد يختلف هو أو غيره معي، ولكن أعتقد أن دراسة مثل هذه الأبيات، وكشف جوانب القوة والضعف مفيد للشاعر ولغيره من الشعراء والمتابعين، يقول الكراني:

وعاد الركبُ بالحــزنِ يخط الدمـــــــعُ مسراهُ
لأرض الطفِ قد شُدّت على مهلٍ خطــــــاواهُ
كأنّ الصبــحَ يستجدي مـــــن الأجفان أضواهُ
يغض الطرفَ خجلاناً إذا ناحت يتامــــــــــاهُ
فهذي زينبُ الكـــبرى تنادي يــــــــــــا أخيّاهُ
أتينا بالبـــــــــكا ثكلى فقـــــــــــم ظعني تلقّاهُ
من الشــــــــام بآهاتي لتربٍ خصـــــــــهُ اللهُ
أتت قبلي من الجــرحِ حسينٌ واحســـــــــيناهُ

يبدأ الشاعر هذه الفقرة بالسرد التاريخي لعودة قافلة السبايا من الشام إلى كربلاء مستعيناً ببعض الصور البلاغية الجميلة، الركب الحسيني الذي سار من دون الحسين بعد استشهاده عاد بعد رحلة مليئة بالحزن والأسى والشماتة ومواجهة الأعداء:

وعاد الركبُ بالحــزنِ يخط الدمـــــــعُ مسراهُ

وأعتقد أن الشاعر كان موفقاً عندما جعل من الدمع دليلاً يرشد الركب إلى أرض كربلاء، وكأن الركب لا يهتدي الطريق إلى كربلاء، ولكن دموعه تخط له المسير حتى يصل إلى تلك الأرض المقدسة، وقد يُفهم من التعبير كثرة الدمع بحيث كان الدمع يسيل والركب يمشي على تلك الدموع التي كانت ترشده إلى أرض كربلاء، وفي العادة يعبَّر عن المسجد الأقصى بأنه مسرى الرسول (ص) والذي يُفهم من هذا التعبير بأنه المكان الذي أُسري بالرسول له، فهل يصح التعبير عن المسير - وهو ما أراده الشاعر- بالمسرى؟ أعتقد بوجود فرق بين المسير والمسرى ولكن لم أجد دليلاً على ذلك في بحثي.

ثم يقول مواصلاً الحديث عن مسيرة الركب الحسيني، ومفصلاً في بعض جزئيات هذا المسير:

لأرض الطفِ قد شُدّت على مَهلٍ خطــــــاواهُ

وفي هذا البيت اختار الشاعر أن يصف خطوات الركب الحسيني الذي خطَّ مسيره الدمع بأنها – أي الخطوات – كانت على مهل، ولا أدري لماذا اختار الشاعر هذه الصفة، فإذا كان شعور أهل القافلة يفيض بالشوق إلى زيارة قبور إحبائِهم فإن السرعة هي الصفة المتبادرة إلى الذهن، فالقافلة تسرع إلى زيارة الشهداء؛ لأنها لا تطيق الصبر، ولعلَّ الشاعر أراد أن يرسم صورة من صور الحزن الذي تكلم عنه في البيت السابق، والمهل هنا قد يكون نتيجة حالة الحزن والتعب والجهد والمعاناة التي عاشتها تلك القافلة المفجوعة، وإذا كان الأمر كذلك فيمكن فهم البيت في ظل هذا الجو. ولدي ملاحظة لغوية على كلمة (خطاواه) التي جعل منها الشاعر جمعاً لكلمة خطوة والظاهر أن خطوة تجمع على خطوات وخطى ولم أجد أن كلمة خطوة تجمع على (خطاوى) وقد تكون القافية قد استدرجت الشاعر إلى هذه الكلمة التي ربما استعملت في العامية البدوية ولكني لم أجد لها استعمالاً في العربية الفصحى.

ثم ينتقل إلى صورة بديعة وارئعة يقول فيها:

كأنّ الصبــحَ يستجدي مـــــن الأجفان أضواهُ
يغض الطرفَ خجلاناً إذا ناحت يتامــــــــــاهُ

فالصبح يريد أن يرسل أضواءه إلى الأرض، ولكنه يتردد، ويطلب من أجفان أصحاب القافلة أن تأذن له بإرسال أضوائه، وحينما يستجدي الفقيرُ الغني فإنه قد يحصل على شيء من المال، وقد لا يحصل، فهل حصل الصبح حينما استجدى من الأجفان أن تسمح له بإرسال أضوائه على إذن منها أم لم يحصل؟ لم يجب الشاعر على هذا السؤال، وربما ترك الإجابة للقارئ، ولكن الأبيات التالية توضح أن إضاءة الصبح قد نشرت المناظر المأساوية لتلك القافلة المفجوعة، وربما اختار الأجفان دون غيرها لقربها من العين ولعلاقتها بوظيفة فتح العين وغلقها.

وفي البيت التالي يبث الشاعر الروح في الصبح فيقول إنه يغض الطرف خجلانا إذا ناحت تيامى ذلك الركب؛ لأنه لا يحتمل أن يجعل من نوره وسيلةً لأن يكون هذا المنظر متاحاً للناس، وتمنى أن لو كان هذا المنظر مخفياً عن أنظار الناس لشدة فظاعته وعظيم مأساته. ثم يقول:

فهذي زينبُ الكـــبرى تنادي يــــــــــــا أخيّاهُ
أتينا بالبـــــــــكا ثكلى فقـــــــــــم ظعني تلقّاهُ

هذان البيتان أقل مستوىً من حيث الصور البلاغية من سابقيهما ولكنهما يأتيان في سياق مواصلة السرد للحادثة الفظيعة، وذكرهما يمثل تكملة للصورة السابقة، ويعكسان جزءاً من المأساة، كما أنهما يعكسان حالة الارتباط الوثيق بين زينب وإخيها الإمام الحسين (ع)، وكأن زينب تعامل أخاها الحسين (ع) معاملة الأحياء وتخاطبه مخاطبة الشاكية الباكية الثكلى التي تطلب منه أن يتلقى ظعنها كما تعوَّدت منه في حياته أن يستقبلها، فهي لا تتصوَّر أن تأتي للإمام الحسين (ع) دون أن يستقبلها الحفاوة التي تعبِّر عن تقديره لها وارتباطه بها. وفي اعتقادي أن الشاعر لو قال:

أتيتً بالبكاء ثكلى فقم ظعني تلقاهُ

لكان التعبير أصح؛ لأن (أتينا) جمع و(ثكلى) مفرد، وقد يُرَدُّ على هذا الإشكال بأن المفرد قد يعبر عن نفسه بالجمع كأن يقول المفرد متحدثاً عن نفسه : "نحن أتينا" تعظيماً، أو أن نقول للمفرد : "السلام عليكم" تعظيماً، وهذا صحيح، ولكن من غير المستساغ الجمع بين المفرد والجمع في نفس الجملة كأن أقول عن نفسي : " جئتُ مسرعين" فإما أن أقول : "جئتُ مسرعاً" أو أقول: "جئنا مسرعين" والشاعر قال "أتينا" ثم تحول إلى المفرد وقال "ثكلى" و" ظعني" وهنا يبدو وجود خلل في عدم تناسق الجملة في التعبير عن المفرد والجمع، فـ ( كثلى) للمفرد و(ثواكل) للجمع، أضف إلى ذلك أن كلمة (بآهاتي) في البيت اللاحق لها علاقة بهذا الموضوع حيث وردت بصيغة المفرد ولم يقل (بآهاتنا) فلو جعل كلمة (أتيتُ) بدلاً من (أتينا) لكانت مناسبة لكلمة (ثكلى) وكلمة (ظعني) وكلمة (بآهاتي) وكذلك كلمة (قبلي) في البيت الأخير.

ثم يصل الشاعر إلى النقطة التي أراد الوصول إليها، وهي تربة كربلاء التي خصها الله تعالى، فيقول:

من الشــــــــام بآهاتي لتربٍ خصـــــــــهُ اللهُ
أتت قبلي من الجــرحِ حسينٌ واحســـــــــيناهُ

ولم يذكر الشاعر بماذا خصها الله، والشاعر كان موفقاً في إطلاقه وعدم تقييده؛ لأن الإطلاق يفتح أمام القارئ أبواباً كثيرة، فلو قيد قوله بأن الله تعالى خص أرض كربلاء باستجابة الدعاء، لما استطعنا أن نستفيد من قوله المزايا الأخرى التي تتمتاز بها كربلاء المقدسة من كونها جنة الفردوس على الأرض و ملهمة للأحرار ومناراً للثوار ومهبطاً للملائكة ومهوىً للأفئدة وأن فيها التراب الذي يستحب السجود عليه وغير ذلك من التعابير، فكان الإطلاق يفيد كل ما ذكرت وأكثر، كما أن البيت الأخير على وضوحه وبساطته يحمل تعابير رائعة جداً بأن صوت زينب الذي انبثق من جرحها قد وصل قبل أن تصل فهي بصرخاتها (حسين واحسيناه) قد أرسلت من جراح قلبها إلى جراح قلب أخيها صرخة النصرة والتفجع والمواساة والفراق والمحبة، وفي ذلك دلالة على قوة الصوت وعمقه وصدقه وشوقه إلى القريب البعيد الإمام الحسين (ع).

مظاهر الجاهلية في قصيدة (سيد المرسلين)

01
مارس
2010
abumuntadhar — @ 11:48

مظاهر الجاهلية في قصيدة (سيد المرسلين)
للشاعر حسين فخر
بقلم: السيد هاشم الموسوي
القصيدة موكبية بعنوان (سيد المرسلين) للشاعر القدير حسين فخر، ألقاها الرادودان مهدي سهوان وعلي حمادي في موكب عزاء النعيم، ليلة 28 صفر 1429هـ ، ومصدر القصيدة هو http://www.fadak.org حيث سأقف وقفة قصيرة مع فقرة من القصيدة:
في البداية أذكر النص ثم أقف عليه وقفات خاطفة:
"كان عصراً ينهل الأخلاق من قلب الصحارى
ولأجل الـــــــــــدين يغتال النهارا
ليت شعري ويدس البنت فـــــي الترب جهارا
البــــــــقاء لقوي داس هامـــــــــات الضعافِ
يسلب الحشمة من عـــين العفافِ
لا أمان وضمير العصر في الكاسات غافي
لست ادري أزمانٌ أم أفاع ٍ تسلـب اللقمة من ثغر الجياع ِ
وهي تغتال الــــــذي للخير ساع ٍ كم قـصوراً شيدت فوق القبور
ذاك عصر الجهل عصر الظلمات ضاعت الأعراب فيه بالشتات
يسلب الإنسان من حــــــق الحياة حل في أعــراقهم وأد الزهور
أيُّ عصر ٍ قيمة الإنسان فـــــــــــيه كالترابِ
تزهق الأرواح في كأس الشـرابِ
دون ديـن فشقي تاه كبراً أو مـــــــــــــرابي
ذاكَ شعب ليسَ في قاموسه معنى الحضاره
فقلوب الناس فيهِ كـــــــالحجاره
لا حــقوق لا مكان للتــــــــــسامي و الطهاره
تلك أحوال المَلا في الجاهليه عطلوا العقل وذابوا فـي الدنيه
تحكم الشــــهوة في كل قضيه تشترى المرأة فيــــــــه وتباع
وأبو جهل بـكف البطش حاكم صيَّر الناس عبـــــيداً كالبهائم
هكذا يحلو لـــه جمعُ الدراهم في رغيد العيش والناس جياع"
في بداية الفقرة يقف الشاعر على العصر الجاهلي كمدخل ليبين الحال الذي كان عليه العرب قبل الإسلام، فيقول:
كان عصراً ينهلُ الأخلاقَ من قلبِ الصحارى
ولأجل الـــــــــــدين يغتال النهارا
فيصفه بأنه ينهل أخلاقه من قلب الصحارى، فكما أن الصحارى تتميز بالجفاف والقفر والحرارة والقسوة والشدة والغلظة فكذلك كان أولئك القوم يعيشون كل هذه الحالات الشديدة، ثم يعبِّر عن إنسان ذلك العصر بأنه " يغتال النهارا" مما يفسر حالة العداء بين ذلك الإنسان وبين النور، فهو لا يعادي النهار بل يغتاله، إنه لا يرضى أن يرى للنهار وجوداً على وجه الأرض، وفي قلبه حقد وعداء لذلك النهار، جميلان جداً هذان البيتان إلا أن عبارة " لأجل الدين" جاءت لتعكر روعة هذين البيتين؛ لأن القارئ لا يهتدي إلى أن إنسان ذلك العصر يغتال النهار لأجل الدين، فأي دين هذا، هل دين محرف يدعو لاغتيال النهار؟ الأمر غير واضح، ولو استبدل الشاعر هاتين الكلمتين "ولأجل الدين" لكان التعبير أفضل – حسب وجهة نظري التي لا أقطع بصحتها – فقد يكون للشاعر تخريج يستطيع أن يقنعني به .
ثم يقول:
ليت شعري ويدسُّ البنت فـــــي الترب جهارا
البــــــــقاء لقوي ٍداسَ هامـــــــــاتِ الضعافِ
يسلبُ الحشمةَ َمن عــَـين ِالعفافِ
لا أمان وضميرُ العصر في الكاسات غافي
كلماتٌ واضحة وضوحاً تتطلبه المواكب العزائية التي يمشي فيها كل من يحب النبي (ص) وأهل بيته، وتراعي اختلاف مستويات المتلقي، وهذا ما ينبغي أن تتميز به القصيدة الموكبية، الشاعر يتكلم عن عادة وأد البنات ( وإذا الموءُدة سئلت* بأيِّ ذنب قتلت) التكوير:8-9، وكلام الشاعر هنا مرتبط عن ما تحدث به إجمالاً في مطلع الفقرة عن الجفاء والقسوة لإنسان ذلك العصر، فقد تكلم في البداية بشكل مجمل وكأنه يضع عنواناً ثم ضرب أمثلة لذلك، فهو يغتال النهار بكل ما يمتلك النهار من رمزية للخير والعلم والانفتاح والازدهار والتقدم ، ويمارس وأد البنات أي يدفنهن أحياءً، وكأنه يعيش في غابة، ولم يعبِّر الشاعر بالتعبير المستهلك (القوي يأكل الضعيف) وإنما عبَّر بتعبير آخر (لقوي ٍ داسَ هاماتِ الضعاف) بكل ما تحمله الهامة من عزة وكرامة وشرف، فإن كل هذه القيم والمميزات الإنسانية صارت تحت أقدام المستكبرين في ذلك المجتمع لا لشيء إلا لأنهم يمتلكون القوة والبطش والسيطرة والتحكم في الآخرين بغير حق، ثم إنَّ هذه الانحرافات السلوكية ذات بعدين: بعدٌ اجتماعي يقسم المجتمع إلى أقسام ويجعل القوي يسيطر على الضعيف ويسلب حريته، وبعدٌ أخلاقي يتمثل في إشاعة الفحشاء التي عبر عنها الشاعر بـ " يسلب الحشمة من عين العفاف"، ويستفاد من هذا التعبير حالة الإكراه على البغاء التي عبر عنها القرآن الكريم : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) النور:33، ومن الانحرافات الأخلاقية التي كان يعيشها ذلك المجتمع هو شرب الخمر، فضمير الإنسان في ذلك العصر غافٍ في تلك الكاسات الخمرية، فأنى له أن يصحو؟.
ثم يزيد في شرح مظاهر ذلك العصر المظلم، فيقول:
لست أدري أزمان أم أفاع ٍ تسلـبُ اللقمة من ثغر الجياع ِ
وهي تغتالُ الـــــذي للخير ِساع ٍ كم قـصوراً شيدت فوق القبور
الأفعى بكل ما تحمل من معاني الشر كانت متجسدة في ذلك الإنسان، الذي كان يسلب اللقمة من ثغر الجياع تارة، ويسلب الحشمة من عين العفاف تارة أخرى، فلا وظيفة له غير السلب والنهب والغصب، وتأتي كلمة (تغتال) مكررة ففي بداية الفقرة كان يغتال النهار، والآن يغتال من هو للخير ساعي، والطول في هذه العبارة فرضته القافية على الشاعر، ونتيجة هذا السلب والنهب أنه يبني قصوره المشيدة على قبور الضعفاء وجماجمهم. ثم يقول في أبيات لا تحتاج واضحة لا تحتاج إلى شرح:
ذاكَ عصرُ الجهل ِعصرُ الظلماتْ ضاعتْ الأعراب فيه بالشتاتْ
يُسلب الإنسانُ من حــــــقِّ الحياة حلَّ في أعــراقهم وأد الزهور
ولا أدري إذا كان الشاعر يقصد من (أعراقهم) جمع عرق وهو عرق الدم أم لا؟ لأن جمع العرق عروق، أما الأعراق فتعني القوميات، وفي هذه الحالة ستكون الكلمة غير مناسبة، أما إذا كان في الفقرة خطأ إملائي، وكان الشاعر يقصد (أعرافهم) بالفاء فالمعنى يستقيم. ثم يقول:
أيُّ عصر ٍ قيمة الإنسان فـــــــــــيه كالترابِ
تزهق الأرواح في كأس الشـرابِ
دون ديـن فشقي تاه كبراً أو مـــــــــــــرابي
ذاكَ شعب ليسَ في قاموسه معنى الحضاره
فقلوب الناس فيهِ كـــــــالحجاره
لا حــقوق لا مكان للتــــــــــسامي و الطهاره
وتأتي هذه الأبيات تكميلاً وتركيزاً للأبيات السابقة، ربما ليس فيها فكرة جديدة، ولكن الشاعر يحتاج أن يكرر فكرته بألفاظ متعددة، وربما أضاف هنا تفشي ظاهرة الربا في ذلك المجتمع، وهو من مظاهر الاستغلال الاقتصادي الذي لا يراعي حالة الفقراء، ونلاحظ أيضاً استفادة الشاعر من التشبيه بمظاهر الطبيعة فالإنسان كالتراب الذي لا قيمة له، والقلوب كالحجارة القاسية. وكذلك الفقرة الأخيرة التي قال فيها : " تلك أحوال الملا في الجاهلية" تأتي لاستكمال الفكرة الرئيسية وبسطها مع إضافة مظلومية المرأة في المجتمع الجاهلي، وسيطرة الشهوات والابتعاد عن حكم العقل فضلاً عن تعاليم الدين الإسلامي الحنيف.

الوحدة الإسلامية... الأمة القوية بحفظ الوصية

27
فبراير
2010
abumuntadhar — @ 10:04

الوحدة الإسلامية...
الأمة القوية بحفظ الوصية
بقلم السيد هاشم الموسوي

لا أحد يستطيع أن ينكر وجود مذاهب إسلامية كثيرة، وآراء فقهية في المذهب الواحد، وقد يتفق (أ) من المذهب الأول مع (أ) من المذهب الثاني، بينما يختلف (أ) من المذهب الأول مع (ب) من المذهب الأول، وهذا أمر واقع، وقد ألَّف المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية كتاباً أسماه (الفقه على المذاهب الخمسة)، ومع هذا الإختلاف على مستوى الفقه والعقائد هناك عدة فرضيات:
الفرضية الأولى: أن يتم إلغاء كل المذاهب وتأسيس مذهب واحد ينضم إليه كلُّ المسلمين، وهذا الأمر أشبه بالحلم والخيال منه بالحقيقة والواقع.
والفرضية الثانية: أن يتحارب كل فريق مع الفريق الآخر ويتخاصم معه ويفرض رأيه عليه بالقوة – باعتبار أنه يعتقد أنه على حق – والفريق الثاني يحارب ويعادي الفريق الأول بناء على قناعته أنه على حق، وبذلك تعيش الأمة التشرذم والتشتت والضياع والهلاك.
والفرضية الثالثة وهي الفرضية الصحيحة والتي تتمثل في وجود مشتركات بين المذاهب الإسلامية، فيتم التركيز عليها والتعاون بين المسلمين فيما بينهم لتحقيقها، وهناك قضايا خلافية يعذر المسلمون بعضهم بعضاً فيها، وبذلك يتحاشى المسلمون القتل والصراع والصدام وضياع الجهود والطاقات.

الوحدة الإسلامية في القرآن الكريم
قال الله الكريم في كتابه العظيم : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) الأنبياء:(92)، وقال تعالى : (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) المؤمنون: (52)، وقال تعالى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران: 103، وقد نهى الله تعالى عن التفرق والاختلاف فقال تعالى : (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ( آل عمران: 105، وقال تعالى: (إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) المائدة :91. ومن مجموع هذه الآيات يتبين حث القرآن الكريم على ضرورة الوحدة الإسلامية، وأن ما يحدث اليوم من قتل وصراع وبغضاء وعداوات بين المسلمين إنما هو نتيجة ابتعادهم عن التعاليم الإسلامية والقرآنية، فالذي يقتل أو حتى يعادي أخاه المسلم نتيجة خلافات سياسية أو مذهبية أو قومية فهو يعاني من انحراف فكري عن فهم التعاليم القرآنية التي تحثُّ المسلمين على المحبة وتؤسس إلى الأخوة بينهم، وتريد منهم أن يكونوا كالبنيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضاً.
الوحدة وصية النبي (ص)
هناك أحاديث كثيرة يتكلم فيها النبي (ص) عن افتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، فالنبي (ص) كان يعلم بذلك، وقد رسم مخططاً لعلاقة المسلم بالمسلم – حتى لو افترقا – فهناك حدود ينبغي مراعاتها، وهنا ننقل بعض الأحاديث كما رواها إخواننا أهل السنة، قال النبي (ص) : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقال : "أتدرون أيُّ يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله. قال: أي بلد هذا؟ أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: فإن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، وأبشاركم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قلنا: نعم. قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فإنه ربَّ مبلغ يبلغه من هو أوعى له، فكان كذلك. قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" وقال : "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار"، قيل: فهذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه أراد قتل صاحبه".
الوحدة الإسلامية ... ضرورة
لم يعد الكلام عن الوحدة الإسلامية من الترف الفكري، وإنما أصبحت الوحدة الإسلامية من أهم مقومات انتصار المسلمين وظهورهم بمظهر القوي أمام العدو المشترك، ولا بد من تنسيق المواقف بين المذاهب الإسلامية، وتكثيف اللقاءات بينهم حتى يمكن الخروج بنتائج إيجابية تخدم جميع المسلمين، فهناك قضايا لا يمكن لأي مسلمٍ أن يغض الطرف عنها وهي تمثل مسؤولية جميع المسلمين، وتأتي على رأسها قضية احتلال فلسطين والقدس الشريف من قبل الصهاينة المجرمين، ولو افترضنا وجود حالة من التنافر وحالة من عدم تنسيق المواقف بين القوى المقاومة الشيعية والسنية، فهل سيصب هذا التنافر والتباعد في خدمة مصالح المسلمين جميعاً أم في مصلحة العدو المغتصب؟ والحمد لله هناك تركيز على هذه القضية، وهناك وعي لدى هذه القوى المقاومة، وهناك مواقف مشرفة في هذا الإطار.
مؤتمرات الوحدة ... الواقع والطموح
ولو تساءلنا عن مؤتمرات الوحدة الإسلامية، هل تحقق ما نرجوه من الوحدة؟، وهل تحل كل القضايا المتعلقة بالوحدة؟ لا أعتقد أنَّ أحداً سيجيب على هذا السؤال بنعم، ولكن لهذه المؤتمرات دور كبير في تقريب المشاعر والقلوب والمواقف، ومجرد الالتقاء بين المسلمين يعتبر شيء إيجابي فضلاً عن الخطوات التي تتخذ فيما بعد، وهناك من يقول: إذا كانت هذه المؤتمرات لا تحقق شيئاً فلنتركها، وهذا تفكير خاطئ وخطير، لأن هذه المؤتمرات تمثل فرصة للالتقاء ولتقريب وجهات النظر، خصوصاً أن قضايا الخلاف تنشأ في كثير من الأحيان من حالة عدم فهم الطرف الآخر، فالجلوس على طاولة واحدة، وتبادل الأفكار و الآراء والحوار البناء يساهم بشكل كبير في دعم القضايا المشتركة بين المسلمين، ووظيفة كل مسلم هو دعم هذه المؤتمرات ومعالجة نواقصها لا رفضها وانتقادها ونشر كلمات التثبيط والإحباط من جهودها، وهناك نشرات ومجلات فصلية تتناول قضايا التقريب منها مجلة رسالة الإسلام ورسالة التقريب، كما أن هناك كلام عن تأسيس قناة فضائية تهتم بشؤون التقريب كما ذكر في الموقع الالكتروني للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب.
الوحدة الإسلامية والدرس الأفغاني
خاض المجاهدون الأفغان حروباً شرسة ضد المحتل الروسي في أواخر القرن المنصرم، وسطر المجاهدون الأفغان ملاحم وتضحيات وقدموا الكثير من الشهداء والجرحى والمشردين، ودفعت الملايين من الأموال في هذه الحرب، وخرج المجاهدون من هذه الحرب منتصرين، وطردوا قوى الإلحاد المتمثلة في الجيس السوفياتي آنذاك، ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟، الذي حدث أن الانتصار ضاع لغياب الوحدة الإسلامية، فبدأت فصائل المجاهدين تتحارب، وتحول السلاح الذي يوجه إلى العدو إلى سلاح يوجَّه إلى الأخ بل إلى النفس؛ لأن القرآن الكريم يعبر عن المجتمع الإسلامي بالنفس : (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) النور:61، أي ليسلِّم بعضكم على بعض، فعبَّر عن باقي المسلمين بأنهم نفس وليس غير، وهذا ما قاله سماحة السيد السيستاني لبعض الشيعة حيث قال ما مضمونه في كلمة مشهورة تنقل عنه : " إن أهل السنة ليسوا إخوانكم بل هم أنفسكم" وكذلك عندما ثارت ثائرة الشيعة بعد ما أساء إليه البعض، طلب من الشيعة أن لا ينجروا إلى الفتنة الطائفية، وطلب منهم الدعاء بالمغفرة لمن أساء إليه. إذن الابتعاد عن أمر الله بالوحدة الإسلامية وحالة التراحم والتضامن والتعاضد بين المسلم وأخيه المسلم تكون نتيجته ما ذكرناه في بداية البحث من الفشل والتشرذم والتشتت وسفك الدماء والفتن والأحقاد والأضغان والضياع.
الإمام علي (ع) والتعالي على الجراج
نحن نعلم وحسب عقيدتنا أن الإمام علياً (ع) هو وصي رسول الله (ص) وأن الأمر بعد رسول الله (ص) لم يسر حسب الخطة الإلهية والتعاليم النبوية، وأن المسار الذي كان يفترض أن يقوده الإمام علي (ع) بالنص اتخذ طريقاً آخر، ولكن حرص الإمام علي (ع) على مصلحة الأمة وحفظها من التشرذم والتشتت جعله يصبر على ما حصل، وفضَّل أن يضحي بموقعه الذي رأى غيره قد تبوأه، فضحى من أجل أن يستمر الإسلام، ولو أن الإمام علياً قد حمل السيف وواجه الحكومات التي حكمت بعد رسول الله (ص) فلا يستبعد أن يتكرر المشهد الأفغاني بعد وفاة رسول الله (ص)، وكان لصبر علي (ع) بل مساندته للحكومات التي أتت بعد رسول الله (ص) دور كبير في انتصار الإسلام وانتشاره.
التعامل مع أهل المذاهب الأخرى
حرصاً منا على أن نعمل ما نطالب به غيرنا، ينبغي علينا أن نتحلى بأخلاق أهل البيت (ع) في التعامل مع من يخالفنا في المذهب، ولا نسيء إليهم بل نبادر إلى المعاشرة الطيبة، فتعاليمهم الطيبة تحثنا على أن نصلي بصلاتهم ونعود مرضاهم ونشيع جنائزهم، وكما ورد في تحف العقول عنهم (ع) "إنما شيعتنا المتباذلون في ولايتنا المتحابون في مودتنا، المتزاورون لإحياء أمرنا، الذين إذا غضبوا لم يظلموا ، وإذا رضوا لم يسرفوا، بركة على مَنْ جاوروا ، سلم لمن خالطوا" وهذا هو ما يرجوه الأئمة (ع) من شيعتهم في مخالطة غيرهم من المذاهب، وفي أخلاق أهل البيت (ع) ما يغني في هذا المجال.
النتائج السلبية لإهمال الوحدة
إذا قال الشيعي إن أمر فلسطين والقدس لا يعنيني؛ لأن هؤلاء من أهل السنة وأنا من أهل الشيعة، وإذا قال السني إنَّ ضحايا التفجيرات في العراق – مثلاً – يستحقون ذلك لأنهم من الشيعة وليسوا من السنة وأنا سني وهذا الأمر لا يعنيني، هذه الكلمات لا تنطلق إلا في غياب حالة الوحدة الإسلامية، فالشيعي مطالب بالتضامن مع المظلوم الفلسطيني ومن كان في البوسنة والهرسك آنذاك وفي أفغانستان وفي كل مكان وكذلك الأمر بالنسبة للسني؛ لأن النبي الأكرم علَّمنا أن من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم، ولم يقل بأمور الشيعة أو أمور السنة، مسؤولية الشيعة عن الفلسطينيين المظلومين لا تقل عن مسؤولية السنة، ومسؤولية السنة عن ضحايا التفجيرات في العراق لا تقل عن مسؤولية الشيعة، هذا إذا كان لكلام النبي عند المسلمين وزناً، أما إذا كان المسلم يريد أن يتبع هواه ويتعصب لجماعته ويعمي عينه عن كلام رسول الله (ص) فالأمر له ولهواه وآراءه المخالفة لكلام النبي (ص).

النبي محمد (ص) خسارة الرحيل

23
فبراير
2010
abumuntadhar — @ 16:16

النبي محمد (ص) ... خسارة الرحيل
بقلم: السيد هاشم الموسوي

كان لرحيل الرسول الأعظم (ص) خسارة عظيمة، وحجم الخسارة يقدر بحجم الراحل، فأي خسارة قد خسر الناس جميعاًَ برحيل الرسول (ص) وهو أعظم إنسان عاش على وجه الأرض، الخسارة لم تكن خسارة الرحيل فحسب، فالرحيل أمره إلى الله تعالى، وقد خاطب الله تعالى نبيه في القرآن الكريم وقال له (إنك ميتٌ وإنهم ميتون) الزمر:30، فهذه هي نهاية كل مخلوق، ولكن الغصة واللوعة والألم في أن الرسول (ص) رحل ولم تتحقق الخطة المستقبلية التي رسمها الله وبلغها رسوله (ص) في تنصيب الإمام علي (ع) خليفة له، والتمسك بالثقلين.
خسارة الحصن
المشكلة تكمن في أن رسول الله (ص) كان يحتضن أهل بيته ويحميهم ويدافع عنهم، وكان وجوده مانعاً من تعرضهم إلى الاستضعاف والجرأة، فلم نسمع أنَّ احداً آذى أهل البيت في ظل النبي محمد (ص)، فكان حصناً وسوراً منيعا لهم، فما إن رحل (ص) حتى بدأت مآسي أهل البيت (ع) تتوالى الواحدة تلو الأخرى، فمن كان يصدق أنَّ بعد رحيل رسول الله يؤخذ آل رسول الله إلى عاصمة خلافة رسول الله أسارى بعد أقل من خمسين سنة من رحيل رسول الله (ص)، ويجزرون كالأضاحي في أرض كربلاء، وما حدث قبل ذلك وبعد ذلك لأبناء رسول الله (ص) لا يعد ولا يحصى.
خسارة خاتم الأنبياء (ص)
النبي محمد (ص) خاتم الأنبياء (ع)، وهذا يعطي لهذه الخسارة ميزة خاصة، فخسارة نوح (ع)، خسارة عظيمة، ولكن باعتبار أن نبياً سيأتي من بعده، فيمكن أن يتسلى الإنسان المؤمن بهذا التعويض، وما قلناه في النبي نوح نقوله في غيره من الأنبياء، أما خسارة خاتم الأنبياء فهي خسارة لا تعوض لأنه لا نبي بعده، والأرض ستكون مظلمة من نور النبوة، ولها في نور الإمامة ما يسد هذا النقص، ولكن حتى نور الإمامة لم يُتح له أن يمسك زمام الأمور كما أراد الله له.
خسارة القيادة
فرق كبير بين القيادة المعصومة المتصلة بالله تعالى، والقيادة الأرضية التي تحكم باجتهادها، حتى لو افترضنا حرصها على تحقيق العدل، مسار الأمة تحول بعد رحيل الرسول (ص) من القيادة المعصومة المتصلة بالله تعالى، إلى القيادة البشرية التي تحكم بما تفهم من كتاب الله على أحسن تقدير، ويكفي الأمة خسارة أن تعيش مثل هذا التحول الخطير.
الخسارة على لسان فاطمة (ع)
وتصور لنا الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (ع) هذه الخسارة في خطبتها التي نقلها الشيخ الطبرسي في الإحتجاح فتقول: "أتقولون مات محمد ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فخطب جليل ، استوسع وهنه [ وهنة الوهن : الخرق ] واستنهر [ أي اتسع ] فتقه وانفتق رتقه ، واظلمت الارض لغيبته ، وكسف الشمس والقمر ، وانتثرت النجوم لمصيبته ، واكدت [ أي قل خيرها ] الآمال ، وخشعت الجبال ، وأضيع الحريم ، وأزيلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى ، والمصيبة العظمى ، لا مثلها نازلة ، ولا بائقة [ أي داهية ] عاجلة ، اعلن بها كتاب الله جل ثناؤه ، في افنيتكم ، وفي ممساكم ، ومصبحكم ، يهتف في افنيتكم هنافا ، وصراخا ، وتلاوة ، والحانا ، ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله ، حكم فصل ، وقضاء حتم : ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) [ آل عمران : 144 ] .
وفي نهاية خطبتها عطفت على قبر النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقالت :
قد كان بعدك انباء وهنبثة لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب
انا فقدناك فقد الارض وابلها واختل قومك فاشهدهم ولا تغب
وكل اهل له قربى ومنزلة عند الاله على الادنين مقترب
ابدت رجال لنا نجوى صدورهم لما مضيت وحالت دونك الترب
تجهمتنا رحال واستخف بنا لما فقدت وكل الارض مغتصب
وكنت بدرا ونورا يستضاء به عليك ينزل من ذي العزة الكتب
وكان جبريل بالآيات يؤنسنا فقد فقدت وكل الخير محتجب
فليت قبلك كان الموت صادفنا لما مضيت وحالت دونك الكثب
خسارة (والعصر)
لم تكن السنين التي عاشها محمد (ص) في عمر دعوته سنيناً تقاس كما يقاس غيرها من السنين، ثلاث وعشرون سنة غيَّرت وجه التاريخ، وحوَّلت أولئك القوم الذين البدو الذين يقتل بعضهم بعضاً ويصول بعضهم على بعض إلى قوَّاد حضارة وأصحاب دعوة ومسطري ملاحم، ثلاث وعشرون سنة استطاع النبي محمد (ص) بفضل الله أن يركز أركان الدين الإسلامي والدولة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، وأن ينشر العلم بين قوم لا يعرفون سوى الناقة والجمل والسيف والخيمة، فحملوا تلك الحضارة إلى الأمم، وسطع نور القرآن الكريم في أرجاء الأرض، فكم كانت لأنفاس محمد (ص) من بركات حرم الناس منها بعد رحيله، وقد ورد في أحد الآراء التفسيرية أن المراد من (والعصر) في بداية سورة العصر عصر محمد (ص).

خسارة أحد الأمانين
وقد كان النبي محمد (ص) أماناً لأهل الأرض كما يقول الإمام علي )(ع): " كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه ، وقد رفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسّكوا به ، أمّا الأمان الذي رفع فهو رسول اللّه ، وأمّا الأمان الباقي فهو الاستغفار ، قال اللّه تعالى : « وَما كانَ اللّهُ لِيُعَذِّبهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللّهَ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ » » . بحارالأنوار : 352/58.

خسارة المواعظ والتوجيهات

كلمات نطق بها النبي محمد (ص) خرَّجت تلاميذاً مثل علي وفاطمة والحسن والحسين، فما هذه الكلمات وما الذي خسره المسلمون وخسرته البشرية برحيل مثل الواعظ والمرشد، وهنا نقف على بعض هذه المواعظ من وصايا الرسول (ص) لعلي:

يا علي !.. أوصيك بوصية فاحفظها ، فلا تزال بخير ما حفظت وصيتي ....
يا عليّ !.. شرُّ الناس من باع آخرته بدنياه ، وشرٌّ من ذلك من باع آخرته بدنيا غيره....
يا عليّ !.. إنّ إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة مُلك مؤجّل لم تنقُص أيّامه .
يا عليّ !.. مَنْ لم تنتفع بدينه ودنياه فلا خير لك في مجالسته ، ومَنْ لم يُوجب لك فلا توجب له ولا كرامة....
يا عليّ !..أربعة لا تُردّ لهم دعوة : إمامٌ عادلٌ ، ووالدٌ لولده ، والرّجل يدعو لأخيه بظهر الغيب ، والمظلوم .. يقول الله جلّ جلاله : وعزّتي وجلالي لأنتصرنّ لك ولو بعد حين.
يا عليّ !..ثمانية إن أُهينوا فلا يلوموا إلاّ أنفسهم : الذاهب إلى مائدة لم يُدع إليها ، والمتأمّر على ربِّ البيت ، وطالب الخير من أعدائه ، وطالب الفضل من اللئام ، والدّاخل بين اثنين في سرّ لم يُدخلاه فيه ، والمستخفّ بالسلطان ، والجالس في مجلس ليس له بأهل ، والمقبل بالحديث على مَنْ لا يسمع منه....
يا علي !.. لا تمزح فيذهب بهاؤك ، ولا تكذب فيذهب نورك ، وإيّاك وخصلتين : الضجرة والكسل ، فإنّك إنْ ضجرت لم تصبر على حق ، وإن كسلت لم تؤّد حقاً .
يا علي !.. لكل ذنب توبة إلاّ سوء الخلق ، فإنّ صاحبه كلّما خرج من ذنب دخل في ذنب.
يا علي !.. أربعة أسرع شيء عقوبة : رجل أحسنت إليه فكافاك بالإحسان إساءة ، ورجل لا تبغي عليه وهو يبغي عليك ، ورجل عاهدته على أمر فوفيت له وغدر بك ، ورجل وصل قرابته فقطعوه....
يا عليّ !.. لا وليمة إلاّ في خمس : في عرس ، أو خرس ، أو عذار ، أو وكار ، أو ركاز..
فالعرس التزويج ، والخرس النفاس بالولد ، والعذار الختان ، والوكار في شرى الدار ، والرّكاز الرجل يقدم من مكة.
يا عليّ !.. لا ينبغي للعاقل أن يكون ظاعناً إلاّ في ثلاث : مرمّة لمعاش ، أو تزوّد لمعاد ، أو لذّة في غير محرم.
يا علي !.. ثلاثة من مكارم الأخلاق في الدنيا والآخرة : أن تعفو عمّن ظلمك ، وتصل مَنْ قطعك ، وتحلم عمّن جهل عليك.
يا علي !.. بادر بأربع قبل أربع : شبابك قبل هرمك ، وصحّتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك....
يا عليّ !..مَنْ خاف الله عزّ وجلّ خاف منه كلّ شيء ، ومَنْ لم يخف الله أخافه الله من كلّ شيء ....
يا علي !.. ثلاث من لم يكنّ فيه لم يتمّ عمله : ورع يحجزه عن معاصي الله عزّ وجلّ ، وخلق يداري به الناس ، وحلم يردّ به جهل الجاهل.
يا عليّ !.. ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا : لقاء الإخوان ، وتفطير الصائم ، والتهجّد في آخر الليل....
يا علي !.. للمؤمن ثلاث علامات : الصلاة ، والزكاة ، والصيام .
وللمتكلّف ثلاث علامات : يتملّق إذا حضر ، ويغتاب إذا غاب ، ويشمت بالمصيبة .
وللظالم ثلاث علامات : يقهر من دونه بالغلبة ، ومن فوقه بالمعصية ، ويظاهر الظلمة .
وللمرائي ثلاث علامات : ينشط إذا كان عند الناس ، ويكسل إذا كان وحده ، ويحبّ أن يُحمد في جميع أموره .
وللمنافق ثلاث علامات : إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أئتمن خان....
يا علي!.. مَن أطاع امرأته أكبّه الله على وجهه في النار ، فقال عليّ (ع) : وما تلك الطاعة ؟.. قال :
يأذن في الذهاب إلى الحمّامات ، والعرسات ، والنائحات ، ولبس ثياب الرّقاق ....
يا علي !.. إذا مات العبد قال الناس : ما خلّف ؟.. وقالت الملائكة : ما قّدم ؟..
يا علي !.. الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر .
يا عليّ !.. موت الفجأة راحة المؤمن وحسرة الكافر.
يا عليّ !.. أوحى الله تبارك وتعالى إلى الدنيا : أخدمي مَنْ خدمني ، وأتعبي من خدمك.
يا علي !.. إنّ الدنيا لو عدلت عند الله عزّ وجلّ جناح بعوضة ، لما سقى الكافر منها شربة من ماء.
يا عليّ !.. ما أحد من الأوّلين والآخرين إلاّ وهو يتمنّى يوم القيامة أنّه لم يُعط من الدنيا إلاّ قوتاً....
يا عليّ !.. أنين المؤمن المريض تسبيح ، وصياحه تهليل ، ونومه على الفراش عبادة ، وتقلّبه من جنب إلى جنب جهاد في سبيل الله ، فإنْ عُوفي يمشي في النّاس وما عليه من ذنب.
يا عليّ !.. لو أُهدي إليّ كراع لَقبلت ، ولو دُعيت إلى ذراع لأجبت ....
يا عليّ !.. النوم أربعة : نوم الأنبياء (ع) على أقفيتهم ، ونوم المؤمنين على أيمانهم ، ونوم الكفّار والمنافقين على أيسارهم ، ونوم الشياطين على وجوههم.
يا عليّ !.. ما بعث الله عزّ وجلّ نبياً إلاّ وجعل ذرّيته من صلبه ، وجعل ذريتي من صلبك ، ولولاك ما كانت لي ذرّية....
يا عليّ !..أعجب النّاس إيماناً وأعظمهم يقيناً ، قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبيّ ، وحُجب عنهم الحجّة ، فآمنوا بسواد على بياض.
يا عليّ !..ثلاث : يقسين القلب : استماع اللهو ، وطلب الصيد ، وإتيان باب السلطان....
يا علي !..لا يقبل الله عزّ وجلّ دعا قلب ساه ....
يا علي !.. الصدقة تردّ القضاء الذي قد أُبرم إبراماً ....
يا علي !.. افتتح بالملح واختم بالملح ، فإنّ فيه شفاء من اثنين وسبعين داء ....
يا علي !.. لا صدقة وذو رحم محتاج....
يا علي !..لا تماكس في أربعة أشياء : في شراء الأضحية ، والكفن ، والنسمة ، والكرى إلى مكّة....
يا علي !.. أمان لأمتي من الغرق إذا هم ركبوا السفن فقرؤا :
بسم الله الرحمن الرحيم ) وما قدروا الله حق قدره ، والأرض جميعاً قبضته يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون) .
( بسم الله مجريها ومرسيها إنّ ربي لغفور رحيم.(
يا علي !.. أمان لأمتي من السرق :{ قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياّ ما تدعوا فله الأسماء الحسنى } إلى آخر السورة....
يا علي !.. أمان لأمتي من الهمّ لا حول ولا قوة إلا بالله ، لا ملجأ ولا منجا من الله إلاّ إليه .(
يا علي !.. أمان لأمتي من الحرق :{ إنّ وليي الله الذي نزّل الكتاب وهو يتولى الصالحين } { وما قدروا الله حقّ قدره )....
يا علي !.. رحم الله والدين حملا ولدهما على برّهما .
يا عليّ !.. مَنْ أحزن والديه فقد عقّهما .
يا عليّ !.. مَنْ اغتيب عنده أخوه المسلم فاستطاع نصره فلم ينصره ، خذله الله في الدنيا والآخرة.
يا علي !.. مَنْ كفى يتيماً في نفقة بماله حتى يستغني ، وجبت له الجنّة البتّة.
يا علي !.. مَنْ مسح يده على رأس يتيم ترحّماً له ، أعطاه الله عزّ وجلّ بكل شعرة نوراً يوم القيامة....
يا علي !..العقل ما اكتُسب به الجنّة ، وطُلب به رضا الرحمن.
يا علي !.. إنّ أول خلق خلقه الله عزّ وجل العقل ، فقال له: أَقْبِلْ فأَقْبَل ، ثم قال له : أَدْبِرْ فأَدْبَر ، وقال :
وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليّ منك ، بك آخذ ، وبك أُعطي ، وبك أُثيب ، وبك أُعاقب.
يا علي !.. لا فقر أشدّ مِنْ الجهل ، ولا مال أَعْوَد مِنْ العقل ، ولا وحدة أوحش من العجب ، ولا عقل كالتدبير ، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله وعمّا لا يليق ، ولا حسب كحُسْن الخلق ، ولا عبادة مثل التفكّر ....
يا علي !.. مَنْ نسي الصلاة عليّ فقد أخطأ طريق الجنّة ....
يا عليّ !.. لئن أُدخل يدي في فمّ التنين إلى المرفق ، أحبّ إليّ مِن أنْ أسأل مَنْ لم يكن ثمّ كان....
يا عليّ !.. تختّم باليمين فإنّه فضيلة من الله عزّ وجلّ للمقرّبين ، قال:
بِمَ أتختم يا رسول الله ؟!.. قال : بالعقيق الأحمر ، فإنّه أول جبل أقرّ لله عزّ وجلّ بالوحدانية ، ولي بالنبوة ، ولك بالوصية ، ولولدك بالإمامة ، ولشيعتك بالجنّة ، ولأعدائك بالنار
من كتاب مكارم الأخلاق ص 500، نقلاً عن جواهر البحار

دموع المشتاق وزحف العشاق

06
فبراير
2010
abumuntadhar — @ 01:17

دموع المشتاق وزحف العشاق
بقلم: السيد هاشم الموسوي

لكل قوم يدينون بالولاء إلى قادتهم صِلات تربطهم بهم، وصلة الشيعة بقادتهم وسادتهم أهل البيت (ع) صلة متميزة إلى درجة أنك لا تجد في الطوائف الأخرى والمِلل المختلفة ما تجده عند أتباع أهل البيت (ع) من التعلق العاطفي والتوجه الروحي تجاههم في مناسبات تنتشر لتملأ أيام التقويم السنوي، هذا فضلاً عن إحيائهم لذكراهم في غير أيام المناسبات، حتى عرف عن الشيعة بأنهم إن إذا اجتمعوا في مكان ولو بمقدار خمسة أشخاص أقاموا العزاء على سيد الشهداء (ع)، وحتى أن الشيعي إذا سافر إلى بلد مهما كان جمال الطبيعة فيها ساحراً والجو لطيفاً يشعر بالوحشة والغربة إذا لم يسمع في هذا البلد صوتاً لناع ٍ على الإمام الحسين (ع)، أو يرى دموعاً تسيل على ذلك الإمام المظلوم، ولهذا التعلق آليات خطّطَ إليها أهل البيت (ع) بنظرة اخترقت حصون الزمان، وأسست لإثارة اللوعة والأحزان، من خلال تأسيس مجالس العزاء على سيد الشهداء (ع) الذي ابتدأ بها رسول الله (ص) حيث كان يبكي سبطه الشهيد قبل مماته كما أحصى الشيخ عبد الحسين الأميني إثثا عشر مجلساً أو يزيدون من مجالس عقدها رسول الله (ص) من مصادر أهل السنة في كتابه القيِّم ( سيرتنا وسنتنا سيرة نبينا وسنته) عندما ناقشه بعض علماء إخواننا من أهل السنة عن سبب إحياء الشعائر الحسينية، ولم يكن رسول الله (ص) بدعاً من الرسل، فقد بكى رسل الله الإمام الحسين (ع) كما قال الشاعر:

بكته الأنبياء وغير بدع ٍ بأن تبكي الكرامُ على الكرام ِ

ومن آليات الارتباط الروحي بأهل البيت (ع) مواكب اللطم والعزاء، وتأتي في طليعة هذه الآليات زيارة المعصومين الأربعة عشر (ع) وتتميز زيارة الإمام الحسين (ع) بخواص لا نجدها في زيارة غيره من حيث كمية الزيارات ونوعيتها، فأما من حيث الكمية فما تمر مناسبة فرح ولا مناسبة حزن إلا وزيارة الإمام الحسين (ع) على جدول تلك المناسبة حتى يكون ذكر الإمام الحسين (ع) حاضراً بشكل دائم في فكر وعاطفة الفرد والأمة، والزيارة عن قرب وعن طريق السفر وتحمل المشاق مطلوبة، ولكن إذا تعذرت فلا ينبغي أن يقع الإنسان في مطب الجفاء بترك زيارته (ع) من بُعد، قال أبو عبدالله عليه السلام : "يا سَدير تزور قبر الحسين عليه السلام في كلّ يوم؟ قلت : جُعِلت فِداك لا ، قال : ما أجفاكم ! أفتزورُه في كلِّ شَهر ؟ قلت : لا ، قال : فتزورُه في كلِّ سنةٍ ، قلت : يكون ذلك ، قال : يا سَديرُ ما أجفاكم بالحسين عليه السلام أما عَلِمتَ أنَّ ‏لله ألفُ ألف مَلَك شُعثاً غُبراً يبكون ويزورون لا يفترون؟ وما عليك يا سَديرُ أن تزورَ قبر الحسين عليه السلام في كلِّ جُمعة خمس مرّات؟

زيارة الأربعين وعلامات المؤمن

ورد عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): (علامات المؤمن خمس: التختم باليمين وصلوات إحدى وخمسين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والتعفير للجبين وزيارة الأربعين).

الزيارة ... وقبضات التحدي

أصبحت الزيارة اليوم وما يحدث اليوم حدث في أيام التاريخ منذ أن استشهد أبطال كربلاء، وهو أن الزائر للإمام الحسين (ع) يتعرض إلى أنواع التنكيل والتهديد بالقتل، فبالأمس ودعنا أكثر من أربعين زائراً لحقوا قوافل الشهداء الذين سبقوهم وكانت أقدامهم المشتاقة تسير إلى محبوبهم، ولا ذنب لهم سوى أنهم امتثلوا أمر الله تعالى في كتابه العزيز : (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) فأبناء يزيد بن معاوية وأبناء المتوكل العباسي لا يروق لهم أن يزحف الملايين إلى قبر الحسين (ع)، فيخرجون أحزمتهم الناسفة واليائسة من وقف الزحف المليوني تجاه قبر الحسين (ع) لعلهم يضعون حجرة صغيرة أمام الطوفان البشري الهائل، وأنى لهم أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، والغريب في أمر زيارة الإمام الحسين (ع) أن تعاليم أهل البيت (ع) لا تغفل هذا المستحب العظيم حتى في أشد الحالات الأمنية خطورة، في وقت تراعي فيه تعاليمهم من خلال الأحكام الشرعية وتشدد على أهمية وضرورة الحفاظ على النفس بالتقية والمداراة حتى في الأمور الواجبة، أما في قضية زيارة الحسين (ع) فالحث عليها قائم حتى مع تردِّي الأوضاع الأمنية، وانتشار الوحوش البشرية التي تترصد في الطريق لتقطع على زوار الإمام الحسين (ع) زيارتهم بالمفخخات والأحزمة في عصرنا هذا، وبقطع الأيدي والأرجل في العصور السابقة.

الزيارة مع الخوف...

روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه، أنّ ابن بكير قال له: إنّي أنزل الإرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح. فقال:
«يابن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنّه من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين سلام الله عليه تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع ولا يفزع، فإن فزع، وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة» وفي حديث محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر سلام الله عليه أنّه قال له: «هل تأتي قبر الحسين عليه السلام؟» قلت: نعم على خوف ووجل فقال سلام الله عليه: «ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف» .

الزيارة... والآثارة الدنيوية
ولزيارة الإمام الحسين (ع) آثارٌ دنيوية، فقد ورد ما يفيد أنها تزيد في العمر وتزيد في الرزق وتدفع السوء فقد ورد عن محمَّد بن مسلم عن مولانا الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء ،وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله" . ومن آثارها الدنيوية أيضاً تحصيل السعادة وقضاء الحوائج وتفريج الهم فعن أبان عن عبد الملك الخثعمي عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال:"يا عبد الملك لاتدع زيارة الحسين بن علي عليهما السلام ومر أصحابك بذلك،يمد الله في عمرك ويزيد الله في رزقك ،ويحييك الله سعيداً ولا تموت إلاّ سعيداً ويكتبك سعيداً." . وقد جاء عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام قال لفضيل بن يسار :"إنّ إلى جانبكم لقبراً ما أتاه مكروب إلاّ نفّس الله كربته وقضى حاجته" .
القلوب المحترقة
ويكفي الزوار فخراً أن دعاء الإمام الصادق (ع) بالرحمة يشملهم، والإمام يساندهم في تحمل الأذى النفسي من الأعداء الذين يعيبون عليهم هذا العمل المقدس، ويكبر الإمام فيهم مقاومتهم وصمودهم أمام الحملات الإعلامية والحروب النفسية التي يشنها من يريد أن يفصل بين الإمام الحسين (ع) وقواعده الجماهيرية في كل زمان ويثمِّن تلك الدموع التي تجري حزنا على أبي عبد الله الحسين (ع) يقول الإمام الصادق (ع): (اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وأرحم تلك الصرخة التي كانت لنا).
دموع من ذهب
عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع)، قال: كان علي بن الحسين (ع) يقول: "أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي(ع) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسَّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله، عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار".
يقسم هذا الحديث دموع البكاء على الحسين إلى ثلاث:
الأولى : دمعة الحزن على قتله (ع) وثمنها أن يسكن أحقاباً في غرف الجنة، وما أعظمه من أجر، دمعة تسيل على الخد يكون هذا أجرها، نعم لأنَّ هذه الدمعة خرجت من تلك القلوب المحترقة بآلام الحسين، ومن تلك الحرارة التي عبر عنها الإمام الصادق (ع) بأنها لن تبرد أبداً، فسلوك البكاء سلوكٌ ينبغي التأكيد عليه، ومن لم يبك فليتباكَ، أي يجعل نفسه في أجواء البكاء، لكي لا يحرم نفسه من هذه النعمة العظيمة.

الثانية : دمعة التألم لأي أذىً مسَّ أهل البيت (ع) ومن هنا نرى تأكيد الزيارات الواردة عنهم على هذه الحالة التي ينبغي على الإنسان أن يعايشها طول حياته وهي حالة ( سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي ولمن والاكم وعدوٌ لمن عاداكم) فالمؤمن الموالي لأهل البيت يشعر أن الأذى الذي لاقوه موجهٌ إليه بصورة مباشرة، بل يشعر أن من آذى أهل البيت شرٌ ممن آذاه لأنهم أولى به من نفسه.

الثالثة: هي دمعة التحمل لأذى الآخرين لأنه قد والى محمد وآل محمد (ص)، فلسان حال الحديث ينطق بما نطق به محمد (ص) لآل ياسر حينما قال : " صبراً آل يا سر إن موعدكم الجنة" هنا أيضاً هذا لسان حال هذا الحديث يقول صبراً شيعة آل محمد على الأذى في حبنا، فدموعكم التي تسيل بسبب ولائكم لنا ستطفي لهب النار يوم القيامة، وستكون أمناً لكم يوم الفزع الأكبر، فما أعظمها من قطرات تسيل من دموع شيعة الحسين حزناً على فقده أو تألماً لما جرى عليه وعلى آل بيته والأئمة، أو تحملاً للأذى في حبهم، جعلنا الله من الباكين على مصابهم والطائعين لأمرهم وحشرنا الله معهم يوم القيامة إنه سميع مجيب.
الحسين ينظر ويستغفر لزواره
ومن الامتيازات التي يحصل عليها الزوار ما نستفيده من الحديث الآتي: قال الإمام الصادق (ع) : "إن الحسين بن علي عند ربه عز وجل ينظر إلى معسكره ومن حلّه من الشهداء معه ، وينظر إلى زوّاره ، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجل من أحدكم بولده ، وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليهم السلام أن يستغفروا له ، ويقول : :لو يعلم زائري ما أعدّ الله له ، لكان فرحه أكثر من جزعه ، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب"

قرة العين عند الموت
والحديث الذي سنذكره الآن يصور لنا أجواء الخوف التي ما تبدلت منذ زمن الصادق إلى زمن النظام السابق، وإلى زماننا، وأن الارتباط بالحسين ينبغي أن يتم بأي شكل من الأشكال، وأن له آثار عجيبة في لحظات الاحتضار فعن مسمع قال لي الصادق (ع) : "يا مسمع !.. أنت من أهل العراق ، أما تأتي قبر الحسين ؟.. قلت : لا ، أنا رجل مشهور من أهل البصرة ، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة ، وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصّاب وغيرهم ، ولست آمنهم أن يرفعوا عليَّ حالي عند ولد سليمان فيمثّلون عليّ . قال لي : أفما تذكر ما صُنع به ؟.. قلت : بلى ، قال : فتجزع ؟ قلت:إي والله !.. وأستعبرُ لذلك ، حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ ، فأمتنعُ من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي ، قال : رحم الله دمعتك !.. أما إنك من الذين يُعدّون في أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويخافون لخوفنا ، ويأمنون إذا أمِنّا . أما إنما سترى عند موتك وحضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك ، وما يلقّونك به من البشارة ما تقرّ به عينك قبل الموت ، فمَلَك الموت أرق عليك وأشدّ رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها ،ثم استعبر واستعبرتُ معه .. فقال : الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة ، وخصّنا أهل البيت بالرحمة يا مسمع !.. إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتُل أمير المؤمنين رحمة لنا ، وما بكى لنا من الملائكة أكثر ، وما رقأت دموع الملائكة منذ قُتلنا ، وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا ، إلا رَحِمَه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه ، فإذا سال دموعه على خده فلو أن قطرةً من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرّها حتى لا يوجد لها حرّ . وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته ، فرحةً لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يَرِدَ علينا الحوض ، وإن الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه ، حتى أنه ليُذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه".

رسائل من عاشوراء

24
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 22:45

رسائل من عاشوراء
بقلم: السيد هاشم الموسوي
رسالة من عاشوراء-1-
تعجيل التوبة
القرارات في حياة الإنسان قد تحتاج إلى تريث وتفكير، وقد تحتاج إلى تعجيل ومبادرة سريعة، وعلى الإنسان أن يقدِّر أهمية الأمر المتعلق باتخاذ قراره ليحدد مدى أولويته على جدول أعماله، وإذا كان الإنسان مهدد في أي لحظة بالموت فقد يفتح عينيه ولا يغلقهما أو يغلقهما ولا يفتحهما، فقرار التوبة والرجوع إلى الله لا يحتمل التأخير لدقيقة واحدة ولا عشر ثوانٍ لأننا لا نضمن أن في الوقت متسع لها، رسالة عاشوراء اليوم من الحر بن يزيد الرياحي الذي نجح في تجاوز كل العقبات ليتخذ القرار بالتوبة في اللحظات الأخيرة من حياته ليخرج نفسه من الدرك الأسفل من النار إلى أعلى درجات الجنة، فهل نستطيع أن نكون من تلامذة الحر ونستفيد من إرادته الفولاذية التي تقتحم كل السدود عندما تنظر بعين اليقين؟
رسالة من عاشوراء-2-
الرضا بقضاء الله
الإنسان المؤمن يجعل من رضا الله تعالى عنه منطلقاً لكل حركاته وسكناته، بغض النظر عن كلِّ ما يصاحب هذه الحركة أو هذا السكون من ردود أفعال غاضبة أو رافضة أو محتجة من قبل الآخرين، فعين المؤمن لا ترى إلا رضا الله تعالى، ولذلك ورد في دعاء أمير المؤمنين (ع) : "سيدي ارضَ عني فقد أرضيتني" ففي الوقت الذي يوطن الإنسان نفسه على الرضا بقضاء الله تعالى مهما عانى من آلامٍ ومحنٍ، ينبغي عليه أن يسعى للوصول إلى رضا الله بكل ما يفرضه هذا الرضا من ضرائب، ولا نرى نموذجاً أروع من نموذج الإمام الحسين (ع) الذي قال في يوم عاشوراء : " اللهم إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى" في الوقت الذي يحتج بعضنا على مرض بسيط ابتلاه الله به!!!
رسالة من عاشوراء-3-
موقف العملاق
هناك عدَّة معايير لتقييم الإنسان، وهناك اعتبارات جسدية أو نـَسبية أو لونية أوعلمية، ولكن من أهم ما يميز يقيم الإنسان المواقف التي يتخذها تجاه القضايا التي تحيط به، رسالتنا اليوم كتبها جون الرجل الأسود الذي رفض الرخصة التي أعطاها إياه الإمام الحسين (ع) – في الوقت الذي نبحث نحن فيه عن الرخص هنا وهناك- حينما قال له الحسين ( ع ) : " يا جون أنت في إذن مني ، فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقتنا " فكان رد العملاق الأسود: "يا بن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم ! ؟" فرسالة جون تتلخص في كيفية أن نحول رصيد الصفر النسبي والحسبي والشكلي إلى رصيد مليوني بمواقف البطولة.
رسالة من عاشوراء-4-
الالتزام بأمر القائد

مما يذكره المؤرخون أن العباس بن علي (ع) لما رأى أخاه الحسين بن علي (ع) وقد قتل أصحابه وأهل بيته طلب منه الرخصة للقتال، فرفض الإمام ولكنه أذن له لاحقاً بطلب الماء، وكان طلب الماء يستدعي القتال فقاتل العباس أعداءه لكي يصل إلى الماء ، رسالة عاشوراء اليوم العباس حيث لا بد من الالتزام برأي القائد سواءً في النصرة أو في الامتناع وأخذ الإذن في الخطوة التي يريد الإنسان أن يأخذها ضرورة لا بد منها سواء في الإقدام أو في التوقف في الحرب أو في السلم، فلا ينبغي أن يكون الجبن والخوف والذل والخنوع مانعاً من نصرة القائد الشرعي، كما لا ينبغي أن يكون الحماس والإقدام والتهور دافعاً للإنسان لاقتحام أهوال الموت من دون إذن القائد الشرعي.فكان العباس بطاعته للحسين على بصيرة من ربه كما ورد في زيارته عليه السلام.

رسالة من عاشوراء-5-
للجنة ثمن
"إن لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة" هكذا قال رسول الله (ص) للإمام الحسين (ع) والإمام الحسين هو سيد شباب الجنة وابن فاطمة وابن علي وسبط النبي (ص) وهو إمام معصوم، فإذا كان الإمام الحسين (ع) مع كل هذه التشريفات الإلهية في نسبه وفي عظمته وعصمته لن ينال تلك الدرجات إلا بالشهادة، فما بال بعضنا يريد أن يدخل الجنة مجانا،ً وهذا لا يكون ولن يكون لأن الله تعالى يقول : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" البقرة: (214) فللجنة ثمن، وتحتاج إلى جد وجهد وجهاد وعمل، ولو سخرنا كل نـَفس من أنفاسنا ليكون ثمناً للجنة لما كان كثيراً عليها.

رسالة من عاشوراء-6-
رسالة الرأس
كان رأس الحسين (ع) على رأس الرمح وكان يتلو قوله تعالى: ( أم حسبت ان أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) رسالة اليوم يكتبها رأس الإمام الحسين (ع) بسطور من دم الإصرار والصمود، مفاد الرسالة أن لا تحاولوا أيها الأعداء أن تفصلوا بيننا وبين القرآن الكريم، نحن متسكون به فلا الغزو الثقافي ولا والمغريات المادية ولا التيارات المنحرفة قادرة على الفصل بيننا وبين القرآن ما دمنا متمسكين بذلك الخط الذي اختطه سيد الشهداء الذي لم يفلح أعداءه بسيوفهم وجيوشهم وآلافهم المؤلفة أن يفصلوا بينه وبين القرآن الكريم فحتى بعد قطع رأسه كان يتلو القرآن فكانت رسالته لنا تمسكوا بالقرآن ولا تنفصلوا عنه حتى لو فصلوا رؤوسكم عن أبدانكم
رسالة من عاشوراء-7-
الخوض مع الخائضين
رسالة هذا اليوم مختلفة بعض الشيء فهي رسالة من أعداء الحسين وأنصار جيش يزيد، والرسالة ليست من عندهم طبعاً وإنما بالاتعاظ بهم، وكما يقول الإمام علي (ع) : " السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اُتعظ به" فنحن نتعظ بهؤلاء الأشقياء ونأخذ الرسالة منهم وهي : " أن لا ينحرف الإنسان مع التيار المنحرف ولا ينجرف مع سيله الجارف"، وكما يقال :"حشر مع الناس عيد"، ومن الضروري أن لا نتأثر بالمحيط إذا كان المحيط فاسداً، كان كثير من أنصار جيش بني أمية من الذين يخوضون مع الخائضين وينجرفون مع التيار وينحرفون مع المنحرفين فرسالة اليوم هي أن نثبت وسط العواصف المنحرفة.
رسالة من عاشوراء-8
من الغائب الحاضر
رسالة هذا اليوم يكتبها رجل لم يحضر واقعة عاشوراء، واستشهد قبلها، ولكنه أبى إلا أن يشارك فيها إن لم يكن بشخصه فبأبنائه، ذلكم هو سبط الرسول المصطفى الإمام الحسن المجتبى (ع)، رسالته لنا أن نربي أبناءنا ونوصيهم بالثبات، فلربما احتاج لهم الإسلام في لحظة نكون نحن فيها تحت التراب، الإمام الحسن (ع) ربَّى أبناءه لذلك اليوم فبرزوا، ونخص بالذكر هنا القاسم بن الحسن الذي أفجع عمه الحسين وذكره باخيه الحسن (ع) حين برز للقتال، رسالة الحسن لنا هذا اليوم تقول : " ربوا أبناءكم على حب محمد وآله حتى لا يترددوا إذا نادى منادي المنية أن يقدموا أرواحهم وإذا نادي منادي الإنفاق ينفقوا أموالهم وإذا نادي منادي الوعي أن يقدموا وعيهم".
رسالة من عاشوراء-9-
الأسدية الأبية
الزوجة تؤثر كثيراً في الزوج سلباً وإيجاباً، ولها دور كبير في نشر أجواء الصلاح أو الفساد في الأسرة والأبناء، وفي كثير من الأحيان تسيطر هي على هذا الدور أكثر من الزوج، وقد حذر القرآن الكريم من بعض الأبناء والزوجات؛ لأنهم حينما يفتحون للإنسان باباً إلى النار وبدعوته للعصيان يكونون أعداء له، قال تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التغابن:(14) ولكن الأسدية الأبية زوجة حبيب بن مظاهر أبت إلا أن تكون داعية للسعادة لا داعية للشقاء، حتى لو كانت تلك السعادة قد كتبت حروفها بالدم، كانت تلك الأسدية تنظر بعين ثاقبة وببصيرة عميقة حينما دعت زوجها لنصرة الحسين وضحت بزوجها من أجل الحسين (‘)، فهل وصلت رسالتها لنا رجالاً ونساءً؟
رسالة من عاشوراء-10-
رسالة المهدي (عج)
قال الأمام الحجة (ع) : "فلئن أخرتني الدهور وعاقني عن نصرك المقدور ولم أكن لمن حاربك محاربا ولمن نصب لك العداوة مناصبا فلأندبنك صباحا ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما" رسالة اليوم يكتبها إمام الزمان ومفادها أن كربلاء باقية، وأن نصرة الإمام الحسين ممكنة في زماننا وفي كل زمان، وأن نداءه هل من ناصر ينصرنا لا زال يدوِّي، من ينصر المظلوم ويلبي نداء الإسلام بماله ووقته وجهده وأسرته وكل ما يملك فهو يلبي نداء الحسين (ع) وينصره، وإلا فما فائدة بكاء من يبكي على الحسين وهو لا يحرك ساكناً في نصرة الإسلام؟، وهل ثار الحسين إلا من أجل الإسلام، فباب التلبية مفتوح، لبيك يا أبا عبد الله بالدماء والأموال والأنفس، في كل زمان ومكان، فكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.

الفرَجُ المضمخ بدم الشهادة

18
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 10:54

الفرَجُ المضمخ بدم الشهادة
بقلم: السيد هاشم الموسوي
فرج الفقير في الغني، وفرج المسجون في الإفراج عنه، وفرج الأغزب في الزواج، وفرج الجندي في النصر، وفرج المريض في الشفاء، و لكننا في قاموس كربلاء وعلى لسان الإمام الحسين (ع) نجد فرجاً من نوع آخر، فلنطوِ الزمان والمكان، ولنصغ ِ للإمام الحسين في يوم كربلاء:
"اللهم أنت ثقتي في كل كربة ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل عنه القريب والبعيد ، ويشمت به العدو ، وتعييني فيه الأمور أنزلته بك ، وشكوته إليك راغبا فيه عمن سواك ، ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حاجة ، ومنتهى كل رغبة ، فلك الحمد كثيرا ولك المن فاضلا".
هذا الدعاء هو دعاء رسول الله (ص) في يوم بدر ، ويوم الأحزاب ، وهو أيضا دعاء دعا به سيد الشهداء (ع) يوم عاشوراء بكربلاء.
التوقف عند هذا الدعاء مع الأخذ بعين الإعتبار الظروف المحيطة الإمام الحسين يستدعي التفكير في توجه الإمام الحسين (ع) في كربلاء إلى الله تعالى بهذا الدعاء العظيم، ومن هنا لنا أن نثير عدة عناوين:

الثقة بالله تعالى
الوقفة الأولى مع قوله ( اللهمَّ أنت ثقتي في كل كرب) فإذا كانت هذه العبارة واضحة في يوم بدر ويوم الأحزاب بالنسبة للرسول الأعظم (ص) باعتبار أن هاتين المعركتين انتهتا بالنصر المؤزر للمسلمين، فهل الواقع أيضاً ينطبق على واقعة الطف التي انتصر فيها يزيد وعسكره انتصاراً عسكرياً، وقام بسحق أهل البيت (ع) وسبي نساءهم؟، فما الثقة التي يتكلم عنها الإمام الحسين(ع) في هذا المقطع وهو المقتول والمظلوم والمسحوق تحت حوافر الخيل وهو الذي شاهدت عيناه أهله وأنصاره يُستشهدون الواحد تلو الآخر في ميدان المعركة.

الرجاء في الشدة
الوقفة الثانية تتمثل في إثارة سؤال مفاده : ما الرجاء الذي كان يرجوه الإمام الحسين؟ وما بقي له من هذا الرجاء؟ وماذا أعطى الله تعالى عبده وحبيبه الإمام الحسين (ع) في تلك الصحراء القاحلة التي كانت تصهر خده الذي طالما قبَّله رسول الله (ص)؟ فما النصر نصرٌُ عسكري مادي، ولا هو نصرٌ غيبي ملائكي كما حدث في معركة بدر.

الفقر إلى الله
الوقفة الثالثة تتمثل في مفردة الكرب الذي نزل بالإمام الحسين(ع) وهو كربٌ لو نزل على الجبال الرواسي لزالت، فأي قلب يتحمل هذا الكرب العظيم؟ الإمام الحسين(ع) يقول إن صبره في ذلك اليوم إنما كان بتوفيق من الله تعالى، ( كم من كرب يضعف عنه الفؤاد) وهكذا نجد العظماء إذا تربعوا على قمة العظمة الشمَّاء ينحنون لعظمة خالقهم ولسان حالهم يقول ( ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير)، يا إلهي لولا تسديدك لي لما تمكنت من تعدي هذا الاختبار العسير، بعد أن تخلى عني القريب والبعيد وبقيت وحدي في ميدان المواجهة، ولكني لست لوحدي فأنت معي، فليتخلَّ القريب والبعيد، وليشمت العدو، فإني انقطعت إليك ورغبت فيك، فلم تعد هذه المعادلات التي تحسب بعشرات الآلاف من الجنود تؤثر في قراري الذي اتخذته لنصرة دينك، فلأكن لوحدي أمام الألوف، فلا وزن لهؤلاء الألوف في نفسي، والسبب يكمن في أنك أنت ولي كل نعمة وصاحب كل حاجة، اما هؤلاء فرضوا عني أم غضبوا عليَّ، نصروني أم خذلوني، وقفوا معي أم ضدي، فإن ذلك لا يغير بمقدار شعرة واحدة ما بنيته من بنيان شامخ بيني وبينك يا رب، فأنت محور تحركي وأنت منطلق جهادي ورضاك رضاي.

الفرج في عيون الإمام
والآن فلنتعرف على الثقة بالله التي يتكلم عنها سيد الشهداء(ع) ، وعن الرجاء الذي تحقق في أشد اللحظات خطورةً في تاريخ البشرية، وعن الفرج الإلهي الذي عبَّر عنه الإمام الحسين(ع) بعدة ألفاظ مترادفة: " ففرَّجته وكشفته وكفيتنيه" وبالتأمل في هذا الأمر نرى أن الإمام الحسين (ع) يرى أن الفرج وكشف الهم وكفاية الغم تتمثل في النجاح في الامتحان الصعب، والثبات حتى النفس الأخير، تتمثل باللطف الإلهي على ذلك الفؤاد الذي منَّ الله عليه بالقوة ليسطر ملحمة الفداء التي تتردد أصداؤها على جدران الزمن الممتد ليسمع حروفها الجيل بعد الجيل والأبناء بعد الآباء، تتمثل في الوصول إلى سدرة " إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى" فرضاك هو كلُّ ما تنظره عيناي وتسعى له قدماي ويهيم به قلبي، أما الهم والغم والكرب فيتمثل في الفؤاد الضعيف الذي حرمه الله ألطافه فلم يعد يصمد في العواصف، فيتقهقهر صاحبه في ساعة العسرة، ويفشل في الامتحان، ويتخاذل عن إيصال الرسالة، ويجبن في المعركة، ويتراجع تحت الضغوط، وينجرف في التيار، وأنت ياربَّ قد فرَّجت عني هذا الكرب والغم فلم أعد كذلك بل بمنِّك ولطفك انتصرت بنصرتي لدينك.

المنطلقات القرآنية في الثورة الحسينية

17
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 21:50

المنطلقات القرآنية في الثورة الحسينية
بقلم: السيد هاشم الموسوي

لم يكن الإمام الحسين (ع) لينفصل لحظة عن خط القرآن وفكر القرآن، كما يفيد ذلك حديث الثقلين المعروف والذي يؤكد حقيقة أن القرآن والعترة لن يفترقا حتى يردا على رسول الله (ص) الحوض، ولذلك فمن المستحيل أن ينطلق الإمام الحسين في ثورته بعيداً عن أوامر القرآن الكريم وإرشاداته وروحه وقيمه ومبادئه.
من اعترض على نهضة الإمام الحسين (ع) وثورته من المسلمين لم يدرك – غفلة أو تغافلاً – هذه الحقيقة، ولو أدرك هذه الحقيقة لما وسعه أن ينكر على الإمام الحسين قيامه ضذ الظلم والاضطهاد والفجور إذا علم أن القرآن الكريم يساند هذه الحركة ويباركها ويحث على نصرتها. أما إذا لم يكن المعترض مسلماً فلسنا في وارد الرد عليه لأنه لا يؤمن بكتاب الله ولا يفهم مبدأ التضحية و الجهاد في سبيل الله والفداء من أجل الدين وما شابه ذلك.

مما يميز ثورة الإمام الحسين (ع) صفاؤها ونقاؤها وطهارتها من كل ما يشوِّهُ صورة الثورة، فلم يكن أحد من أنصار الإمام الحسين ليعتدي أو يظلم أحداً، وهذه النقطة تكاد تخلو منها كل ثورات الدنيا، الثورات تصاحبها حركات تقوم على ردود الأفعال، فتقترف الظلم في معرض ردها على الظلم، فتلبس ثوب الظلم الذي احتجَّت عليه، وتكون في موقع الظالم بعد أن كانت في موقع المظلوم، والنسبة تختلف قلة وكثرة بين ثورة وأخرى، وهي جلية وواضحة في ثورة بني العباس على بني أمية، حيث وصلوا إلى درجات بني أمية في الظلم وتجاوزوها حتى قال الشاعر في ظلم بني العباس لآل البيت (ع):

واللهِ ما فعلتْ أميةُ فيهمُ مِعْشار مَا فعلتْ بنو العباس ِ

والإمام الحسين (ع) حافظ على نقاء هذه الثورة باعتبارها نموذجاً ومثلاً أعلى لكل ثورة صادقة، فما شابها ولو قليل من الظلم أو الانحراف، وكيف لا يكون الإمام الحسين كذلك وهو ينطلق من القرآن ومع القرآن وبالقرآن الذي يقول: " والله لا يحب الظالمين" آل عمران: 57، فكيف يستقيم حب الإمام الحسين لله وحب الله للإمام الحسين إذا كانت الثورة تمارس الظلم – ولو تحت الضغوط النفسية والسياسية والعسكرية والاجتماعية- .

والإمام الحسين الذي يقول (( ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلٌة , يأبى الله لنا ذلك ورسوله ، ونفوس أبية ، وانوف حمية , من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ... )) . ينطلق من قوله تعالى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)" آل عمران: 173-174. ولا نرى في التاريخ مثيلاً للجيش المحتشد الذي احتشد بآلافه المؤلفة ضد فئة قليلة لا تتجاوز الثلاثة والسبعين، فكان الإمام الحسين من مصاديق هذه الآية فهو لا يخشى إلا الله ولا يركع إلا لله، وكانت النتيجة أن انقلب بنعمة من الله وفضل، انقلب بنعمة الشهادة وسكن دمه في الخلد.

الإمام الحسين الذي يقول " ( إني لم اخرج أشرا ، ولا بطراً ، ولا ظالماً ، ولا مفسداً ، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي ، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) ينطلق من قوله تعالى : " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" آل عمران: 104، ومن قوله تعالى: " إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" هود: (88)، ومن قوله تعالى: " وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" القصص: (77)، وكان يبرئ نفسه من تهمة أن يكون أشراً كما برأ الله نبيه صالح في قوله تعالى: " أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ (26)" القمر: 25-26.

والإمام الحسين (ع) الذي استشهد بقول جده رسول الله (ص) "أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله". ينطلق من قوله تعالى: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" الأعراف: (33)، وأيُّ فاحشة لم يرتكبها يزيد؟ والإمام الحسين يقول: " يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يُبايع مثله"

ماذا نقول عن ارتباط الإمام الحسين بالقرآن؟ وكل أنفاسه ونظراته وسكناته وذرات جوارحه ونسائم جوانحه متعلقة بذلك الكتاب، يفديه بروحه ويصونه بدمه الطاهر فيموت لكي يحيا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.