حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


دموع المشتاق وزحف العشاق

06
فبراير
2010
abumuntadhar — @ 01:17

دموع المشتاق وزحف العشاق
بقلم: السيد هاشم الموسوي

لكل قوم يدينون بالولاء إلى قادتهم صِلات تربطهم بهم، وصلة الشيعة بقادتهم وسادتهم أهل البيت (ع) صلة متميزة إلى درجة أنك لا تجد في الطوائف الأخرى والمِلل المختلفة ما تجده عند أتباع أهل البيت (ع) من التعلق العاطفي والتوجه الروحي تجاههم في مناسبات تنتشر لتملأ أيام التقويم السنوي، هذا فضلاً عن إحيائهم لذكراهم في غير أيام المناسبات، حتى عرف عن الشيعة بأنهم إن إذا اجتمعوا في مكان ولو بمقدار خمسة أشخاص أقاموا العزاء على سيد الشهداء (ع)، وحتى أن الشيعي إذا سافر إلى بلد مهما كان جمال الطبيعة فيها ساحراً والجو لطيفاً يشعر بالوحشة والغربة إذا لم يسمع في هذا البلد صوتاً لناع ٍ على الإمام الحسين (ع)، أو يرى دموعاً تسيل على ذلك الإمام المظلوم، ولهذا التعلق آليات خطّطَ إليها أهل البيت (ع) بنظرة اخترقت حصون الزمان، وأسست لإثارة اللوعة والأحزان، من خلال تأسيس مجالس العزاء على سيد الشهداء (ع) الذي ابتدأ بها رسول الله (ص) حيث كان يبكي سبطه الشهيد قبل مماته كما أحصى الشيخ عبد الحسين الأميني إثثا عشر مجلساً أو يزيدون من مجالس عقدها رسول الله (ص) من مصادر أهل السنة في كتابه القيِّم ( سيرتنا وسنتنا سيرة نبينا وسنته) عندما ناقشه بعض علماء إخواننا من أهل السنة عن سبب إحياء الشعائر الحسينية، ولم يكن رسول الله (ص) بدعاً من الرسل، فقد بكى رسل الله الإمام الحسين (ع) كما قال الشاعر:

بكته الأنبياء وغير بدع ٍ بأن تبكي الكرامُ على الكرام ِ

ومن آليات الارتباط الروحي بأهل البيت (ع) مواكب اللطم والعزاء، وتأتي في طليعة هذه الآليات زيارة المعصومين الأربعة عشر (ع) وتتميز زيارة الإمام الحسين (ع) بخواص لا نجدها في زيارة غيره من حيث كمية الزيارات ونوعيتها، فأما من حيث الكمية فما تمر مناسبة فرح ولا مناسبة حزن إلا وزيارة الإمام الحسين (ع) على جدول تلك المناسبة حتى يكون ذكر الإمام الحسين (ع) حاضراً بشكل دائم في فكر وعاطفة الفرد والأمة، والزيارة عن قرب وعن طريق السفر وتحمل المشاق مطلوبة، ولكن إذا تعذرت فلا ينبغي أن يقع الإنسان في مطب الجفاء بترك زيارته (ع) من بُعد، قال أبو عبدالله عليه السلام : "يا سَدير تزور قبر الحسين عليه السلام في كلّ يوم؟ قلت : جُعِلت فِداك لا ، قال : ما أجفاكم ! أفتزورُه في كلِّ شَهر ؟ قلت : لا ، قال : فتزورُه في كلِّ سنةٍ ، قلت : يكون ذلك ، قال : يا سَديرُ ما أجفاكم بالحسين عليه السلام أما عَلِمتَ أنَّ ‏لله ألفُ ألف مَلَك شُعثاً غُبراً يبكون ويزورون لا يفترون؟ وما عليك يا سَديرُ أن تزورَ قبر الحسين عليه السلام في كلِّ جُمعة خمس مرّات؟

زيارة الأربعين وعلامات المؤمن

ورد عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام): (علامات المؤمن خمس: التختم باليمين وصلوات إحدى وخمسين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والتعفير للجبين وزيارة الأربعين).

الزيارة ... وقبضات التحدي

أصبحت الزيارة اليوم وما يحدث اليوم حدث في أيام التاريخ منذ أن استشهد أبطال كربلاء، وهو أن الزائر للإمام الحسين (ع) يتعرض إلى أنواع التنكيل والتهديد بالقتل، فبالأمس ودعنا أكثر من أربعين زائراً لحقوا قوافل الشهداء الذين سبقوهم وكانت أقدامهم المشتاقة تسير إلى محبوبهم، ولا ذنب لهم سوى أنهم امتثلوا أمر الله تعالى في كتابه العزيز : (قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) فأبناء يزيد بن معاوية وأبناء المتوكل العباسي لا يروق لهم أن يزحف الملايين إلى قبر الحسين (ع)، فيخرجون أحزمتهم الناسفة واليائسة من وقف الزحف المليوني تجاه قبر الحسين (ع) لعلهم يضعون حجرة صغيرة أمام الطوفان البشري الهائل، وأنى لهم أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون، والغريب في أمر زيارة الإمام الحسين (ع) أن تعاليم أهل البيت (ع) لا تغفل هذا المستحب العظيم حتى في أشد الحالات الأمنية خطورة، في وقت تراعي فيه تعاليمهم من خلال الأحكام الشرعية وتشدد على أهمية وضرورة الحفاظ على النفس بالتقية والمداراة حتى في الأمور الواجبة، أما في قضية زيارة الحسين (ع) فالحث عليها قائم حتى مع تردِّي الأوضاع الأمنية، وانتشار الوحوش البشرية التي تترصد في الطريق لتقطع على زوار الإمام الحسين (ع) زيارتهم بالمفخخات والأحزمة في عصرنا هذا، وبقطع الأيدي والأرجل في العصور السابقة.

الزيارة مع الخوف...

روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه، أنّ ابن بكير قال له: إنّي أنزل الإرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك، فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح. فقال:
«يابن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنّه من خاف لخوفنا أظلّه الله في ظلّ عرشه، وكان محدّثه الحسين سلام الله عليه تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع ولا يفزع، فإن فزع، وقرته الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة» وفي حديث محمد بن مسلم عن الإمام أبي جعفر الباقر سلام الله عليه أنّه قال له: «هل تأتي قبر الحسين عليه السلام؟» قلت: نعم على خوف ووجل فقال سلام الله عليه: «ما كان من هذا أشدّ فالثواب فيه على قدر الخوف» .

الزيارة... والآثارة الدنيوية
ولزيارة الإمام الحسين (ع) آثارٌ دنيوية، فقد ورد ما يفيد أنها تزيد في العمر وتزيد في الرزق وتدفع السوء فقد ورد عن محمَّد بن مسلم عن مولانا الإمام أبي جعفر عليه السلام قال: "مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين عليه السلام فإنّ إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء ،وإتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله" . ومن آثارها الدنيوية أيضاً تحصيل السعادة وقضاء الحوائج وتفريج الهم فعن أبان عن عبد الملك الخثعمي عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام قال:"يا عبد الملك لاتدع زيارة الحسين بن علي عليهما السلام ومر أصحابك بذلك،يمد الله في عمرك ويزيد الله في رزقك ،ويحييك الله سعيداً ولا تموت إلاّ سعيداً ويكتبك سعيداً." . وقد جاء عن مولانا الإمام الصادق عليه السلام قال لفضيل بن يسار :"إنّ إلى جانبكم لقبراً ما أتاه مكروب إلاّ نفّس الله كربته وقضى حاجته" .
القلوب المحترقة
ويكفي الزوار فخراً أن دعاء الإمام الصادق (ع) بالرحمة يشملهم، والإمام يساندهم في تحمل الأذى النفسي من الأعداء الذين يعيبون عليهم هذا العمل المقدس، ويكبر الإمام فيهم مقاومتهم وصمودهم أمام الحملات الإعلامية والحروب النفسية التي يشنها من يريد أن يفصل بين الإمام الحسين (ع) وقواعده الجماهيرية في كل زمان ويثمِّن تلك الدموع التي تجري حزنا على أبي عبد الله الحسين (ع) يقول الإمام الصادق (ع): (اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التي غيّرتها الشمس، وارحم تلك الخدود التي تتقلب على حفرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا، وأرحم تلك الصرخة التي كانت لنا).
دموع من ذهب
عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع)، قال: كان علي بن الحسين (ع) يقول: "أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي(ع) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسَّه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله، عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار".
يقسم هذا الحديث دموع البكاء على الحسين إلى ثلاث:
الأولى : دمعة الحزن على قتله (ع) وثمنها أن يسكن أحقاباً في غرف الجنة، وما أعظمه من أجر، دمعة تسيل على الخد يكون هذا أجرها، نعم لأنَّ هذه الدمعة خرجت من تلك القلوب المحترقة بآلام الحسين، ومن تلك الحرارة التي عبر عنها الإمام الصادق (ع) بأنها لن تبرد أبداً، فسلوك البكاء سلوكٌ ينبغي التأكيد عليه، ومن لم يبك فليتباكَ، أي يجعل نفسه في أجواء البكاء، لكي لا يحرم نفسه من هذه النعمة العظيمة.

الثانية : دمعة التألم لأي أذىً مسَّ أهل البيت (ع) ومن هنا نرى تأكيد الزيارات الواردة عنهم على هذه الحالة التي ينبغي على الإنسان أن يعايشها طول حياته وهي حالة ( سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي ولمن والاكم وعدوٌ لمن عاداكم) فالمؤمن الموالي لأهل البيت يشعر أن الأذى الذي لاقوه موجهٌ إليه بصورة مباشرة، بل يشعر أن من آذى أهل البيت شرٌ ممن آذاه لأنهم أولى به من نفسه.

الثالثة: هي دمعة التحمل لأذى الآخرين لأنه قد والى محمد وآل محمد (ص)، فلسان حال الحديث ينطق بما نطق به محمد (ص) لآل ياسر حينما قال : " صبراً آل يا سر إن موعدكم الجنة" هنا أيضاً هذا لسان حال هذا الحديث يقول صبراً شيعة آل محمد على الأذى في حبنا، فدموعكم التي تسيل بسبب ولائكم لنا ستطفي لهب النار يوم القيامة، وستكون أمناً لكم يوم الفزع الأكبر، فما أعظمها من قطرات تسيل من دموع شيعة الحسين حزناً على فقده أو تألماً لما جرى عليه وعلى آل بيته والأئمة، أو تحملاً للأذى في حبهم، جعلنا الله من الباكين على مصابهم والطائعين لأمرهم وحشرنا الله معهم يوم القيامة إنه سميع مجيب.
الحسين ينظر ويستغفر لزواره
ومن الامتيازات التي يحصل عليها الزوار ما نستفيده من الحديث الآتي: قال الإمام الصادق (ع) : "إن الحسين بن علي عند ربه عز وجل ينظر إلى معسكره ومن حلّه من الشهداء معه ، وينظر إلى زوّاره ، وهو أعرف بهم وبأسمائهم وأسماء آبائهم وبدرجاتهم ومنزلتهم عند الله عز وجل من أحدكم بولده ، وإنه ليرى من يبكيه فيستغفر له ويسأل آباءه عليهم السلام أن يستغفروا له ، ويقول : :لو يعلم زائري ما أعدّ الله له ، لكان فرحه أكثر من جزعه ، وإن زائره لينقلب وما عليه من ذنب"

قرة العين عند الموت
والحديث الذي سنذكره الآن يصور لنا أجواء الخوف التي ما تبدلت منذ زمن الصادق إلى زمن النظام السابق، وإلى زماننا، وأن الارتباط بالحسين ينبغي أن يتم بأي شكل من الأشكال، وأن له آثار عجيبة في لحظات الاحتضار فعن مسمع قال لي الصادق (ع) : "يا مسمع !.. أنت من أهل العراق ، أما تأتي قبر الحسين ؟.. قلت : لا ، أنا رجل مشهور من أهل البصرة ، وعندنا من يتبع هوى هذا الخليفة ، وأعداؤنا كثيرة من أهل القبائل من النصّاب وغيرهم ، ولست آمنهم أن يرفعوا عليَّ حالي عند ولد سليمان فيمثّلون عليّ . قال لي : أفما تذكر ما صُنع به ؟.. قلت : بلى ، قال : فتجزع ؟ قلت:إي والله !.. وأستعبرُ لذلك ، حتى يرى أهلي أثر ذلك عليّ ، فأمتنعُ من الطعام حتى يستبين ذلك في وجهي ، قال : رحم الله دمعتك !.. أما إنك من الذين يُعدّون في أهل الجزع لنا والذين يفرحون لفرحنا ، ويحزنون لحزننا ، ويخافون لخوفنا ، ويأمنون إذا أمِنّا . أما إنما سترى عند موتك وحضور آبائي لك ووصيتهم ملك الموت بك ، وما يلقّونك به من البشارة ما تقرّ به عينك قبل الموت ، فمَلَك الموت أرق عليك وأشدّ رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها ،ثم استعبر واستعبرتُ معه .. فقال : الحمد لله الذي فضّلنا على خلقه بالرحمة ، وخصّنا أهل البيت بالرحمة يا مسمع !.. إن الأرض والسماء لتبكي منذ قتُل أمير المؤمنين رحمة لنا ، وما بكى لنا من الملائكة أكثر ، وما رقأت دموع الملائكة منذ قُتلنا ، وما بكى أحدٌ رحمةً لنا ولما لقينا ، إلا رَحِمَه الله قبل أن تخرج الدمعة من عينه ، فإذا سال دموعه على خده فلو أن قطرةً من دموعه سقطت في جهنم لأطفأت حرّها حتى لا يوجد لها حرّ . وإن الموجع قلبه لنا ليفرح يوم يرانا عند موته ، فرحةً لا تزال تلك الفرحة في قلبه حتى يَرِدَ علينا الحوض ، وإن الكوثر ليفرح بمحبّنا إذا ورد عليه ، حتى أنه ليُذيقه من ضروب الطعام ما لا يشتهي أن يصدر عنه".

رسائل من عاشوراء

24
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 22:45

رسائل من عاشوراء
بقلم: السيد هاشم الموسوي
رسالة من عاشوراء-1-
تعجيل التوبة
القرارات في حياة الإنسان قد تحتاج إلى تريث وتفكير، وقد تحتاج إلى تعجيل ومبادرة سريعة، وعلى الإنسان أن يقدِّر أهمية الأمر المتعلق باتخاذ قراره ليحدد مدى أولويته على جدول أعماله، وإذا كان الإنسان مهدد في أي لحظة بالموت فقد يفتح عينيه ولا يغلقهما أو يغلقهما ولا يفتحهما، فقرار التوبة والرجوع إلى الله لا يحتمل التأخير لدقيقة واحدة ولا عشر ثوانٍ لأننا لا نضمن أن في الوقت متسع لها، رسالة عاشوراء اليوم من الحر بن يزيد الرياحي الذي نجح في تجاوز كل العقبات ليتخذ القرار بالتوبة في اللحظات الأخيرة من حياته ليخرج نفسه من الدرك الأسفل من النار إلى أعلى درجات الجنة، فهل نستطيع أن نكون من تلامذة الحر ونستفيد من إرادته الفولاذية التي تقتحم كل السدود عندما تنظر بعين اليقين؟
رسالة من عاشوراء-2-
الرضا بقضاء الله
الإنسان المؤمن يجعل من رضا الله تعالى عنه منطلقاً لكل حركاته وسكناته، بغض النظر عن كلِّ ما يصاحب هذه الحركة أو هذا السكون من ردود أفعال غاضبة أو رافضة أو محتجة من قبل الآخرين، فعين المؤمن لا ترى إلا رضا الله تعالى، ولذلك ورد في دعاء أمير المؤمنين (ع) : "سيدي ارضَ عني فقد أرضيتني" ففي الوقت الذي يوطن الإنسان نفسه على الرضا بقضاء الله تعالى مهما عانى من آلامٍ ومحنٍ، ينبغي عليه أن يسعى للوصول إلى رضا الله بكل ما يفرضه هذا الرضا من ضرائب، ولا نرى نموذجاً أروع من نموذج الإمام الحسين (ع) الذي قال في يوم عاشوراء : " اللهم إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى" في الوقت الذي يحتج بعضنا على مرض بسيط ابتلاه الله به!!!
رسالة من عاشوراء-3-
موقف العملاق
هناك عدَّة معايير لتقييم الإنسان، وهناك اعتبارات جسدية أو نـَسبية أو لونية أوعلمية، ولكن من أهم ما يميز يقيم الإنسان المواقف التي يتخذها تجاه القضايا التي تحيط به، رسالتنا اليوم كتبها جون الرجل الأسود الذي رفض الرخصة التي أعطاها إياه الإمام الحسين (ع) – في الوقت الذي نبحث نحن فيه عن الرخص هنا وهناك- حينما قال له الحسين ( ع ) : " يا جون أنت في إذن مني ، فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقتنا " فكان رد العملاق الأسود: "يا بن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم وفي الشدة أخذلكم ! ؟" فرسالة جون تتلخص في كيفية أن نحول رصيد الصفر النسبي والحسبي والشكلي إلى رصيد مليوني بمواقف البطولة.
رسالة من عاشوراء-4-
الالتزام بأمر القائد

مما يذكره المؤرخون أن العباس بن علي (ع) لما رأى أخاه الحسين بن علي (ع) وقد قتل أصحابه وأهل بيته طلب منه الرخصة للقتال، فرفض الإمام ولكنه أذن له لاحقاً بطلب الماء، وكان طلب الماء يستدعي القتال فقاتل العباس أعداءه لكي يصل إلى الماء ، رسالة عاشوراء اليوم العباس حيث لا بد من الالتزام برأي القائد سواءً في النصرة أو في الامتناع وأخذ الإذن في الخطوة التي يريد الإنسان أن يأخذها ضرورة لا بد منها سواء في الإقدام أو في التوقف في الحرب أو في السلم، فلا ينبغي أن يكون الجبن والخوف والذل والخنوع مانعاً من نصرة القائد الشرعي، كما لا ينبغي أن يكون الحماس والإقدام والتهور دافعاً للإنسان لاقتحام أهوال الموت من دون إذن القائد الشرعي.فكان العباس بطاعته للحسين على بصيرة من ربه كما ورد في زيارته عليه السلام.

رسالة من عاشوراء-5-
للجنة ثمن
"إن لك في الجنة درجات لن تنالها إلا بالشهادة" هكذا قال رسول الله (ص) للإمام الحسين (ع) والإمام الحسين هو سيد شباب الجنة وابن فاطمة وابن علي وسبط النبي (ص) وهو إمام معصوم، فإذا كان الإمام الحسين (ع) مع كل هذه التشريفات الإلهية في نسبه وفي عظمته وعصمته لن ينال تلك الدرجات إلا بالشهادة، فما بال بعضنا يريد أن يدخل الجنة مجانا،ً وهذا لا يكون ولن يكون لأن الله تعالى يقول : " أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ" البقرة: (214) فللجنة ثمن، وتحتاج إلى جد وجهد وجهاد وعمل، ولو سخرنا كل نـَفس من أنفاسنا ليكون ثمناً للجنة لما كان كثيراً عليها.

رسالة من عاشوراء-6-
رسالة الرأس
كان رأس الحسين (ع) على رأس الرمح وكان يتلو قوله تعالى: ( أم حسبت ان أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) رسالة اليوم يكتبها رأس الإمام الحسين (ع) بسطور من دم الإصرار والصمود، مفاد الرسالة أن لا تحاولوا أيها الأعداء أن تفصلوا بيننا وبين القرآن الكريم، نحن متسكون به فلا الغزو الثقافي ولا والمغريات المادية ولا التيارات المنحرفة قادرة على الفصل بيننا وبين القرآن ما دمنا متمسكين بذلك الخط الذي اختطه سيد الشهداء الذي لم يفلح أعداءه بسيوفهم وجيوشهم وآلافهم المؤلفة أن يفصلوا بينه وبين القرآن الكريم فحتى بعد قطع رأسه كان يتلو القرآن فكانت رسالته لنا تمسكوا بالقرآن ولا تنفصلوا عنه حتى لو فصلوا رؤوسكم عن أبدانكم
رسالة من عاشوراء-7-
الخوض مع الخائضين
رسالة هذا اليوم مختلفة بعض الشيء فهي رسالة من أعداء الحسين وأنصار جيش يزيد، والرسالة ليست من عندهم طبعاً وإنما بالاتعاظ بهم، وكما يقول الإمام علي (ع) : " السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اُتعظ به" فنحن نتعظ بهؤلاء الأشقياء ونأخذ الرسالة منهم وهي : " أن لا ينحرف الإنسان مع التيار المنحرف ولا ينجرف مع سيله الجارف"، وكما يقال :"حشر مع الناس عيد"، ومن الضروري أن لا نتأثر بالمحيط إذا كان المحيط فاسداً، كان كثير من أنصار جيش بني أمية من الذين يخوضون مع الخائضين وينجرفون مع التيار وينحرفون مع المنحرفين فرسالة اليوم هي أن نثبت وسط العواصف المنحرفة.
رسالة من عاشوراء-8
من الغائب الحاضر
رسالة هذا اليوم يكتبها رجل لم يحضر واقعة عاشوراء، واستشهد قبلها، ولكنه أبى إلا أن يشارك فيها إن لم يكن بشخصه فبأبنائه، ذلكم هو سبط الرسول المصطفى الإمام الحسن المجتبى (ع)، رسالته لنا أن نربي أبناءنا ونوصيهم بالثبات، فلربما احتاج لهم الإسلام في لحظة نكون نحن فيها تحت التراب، الإمام الحسن (ع) ربَّى أبناءه لذلك اليوم فبرزوا، ونخص بالذكر هنا القاسم بن الحسن الذي أفجع عمه الحسين وذكره باخيه الحسن (ع) حين برز للقتال، رسالة الحسن لنا هذا اليوم تقول : " ربوا أبناءكم على حب محمد وآله حتى لا يترددوا إذا نادى منادي المنية أن يقدموا أرواحهم وإذا نادي منادي الإنفاق ينفقوا أموالهم وإذا نادي منادي الوعي أن يقدموا وعيهم".
رسالة من عاشوراء-9-
الأسدية الأبية
الزوجة تؤثر كثيراً في الزوج سلباً وإيجاباً، ولها دور كبير في نشر أجواء الصلاح أو الفساد في الأسرة والأبناء، وفي كثير من الأحيان تسيطر هي على هذا الدور أكثر من الزوج، وقد حذر القرآن الكريم من بعض الأبناء والزوجات؛ لأنهم حينما يفتحون للإنسان باباً إلى النار وبدعوته للعصيان يكونون أعداء له، قال تعالى: (يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) التغابن:(14) ولكن الأسدية الأبية زوجة حبيب بن مظاهر أبت إلا أن تكون داعية للسعادة لا داعية للشقاء، حتى لو كانت تلك السعادة قد كتبت حروفها بالدم، كانت تلك الأسدية تنظر بعين ثاقبة وببصيرة عميقة حينما دعت زوجها لنصرة الحسين وضحت بزوجها من أجل الحسين (‘)، فهل وصلت رسالتها لنا رجالاً ونساءً؟
رسالة من عاشوراء-10-
رسالة المهدي (عج)
قال الأمام الحجة (ع) : "فلئن أخرتني الدهور وعاقني عن نصرك المقدور ولم أكن لمن حاربك محاربا ولمن نصب لك العداوة مناصبا فلأندبنك صباحا ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دما" رسالة اليوم يكتبها إمام الزمان ومفادها أن كربلاء باقية، وأن نصرة الإمام الحسين ممكنة في زماننا وفي كل زمان، وأن نداءه هل من ناصر ينصرنا لا زال يدوِّي، من ينصر المظلوم ويلبي نداء الإسلام بماله ووقته وجهده وأسرته وكل ما يملك فهو يلبي نداء الحسين (ع) وينصره، وإلا فما فائدة بكاء من يبكي على الحسين وهو لا يحرك ساكناً في نصرة الإسلام؟، وهل ثار الحسين إلا من أجل الإسلام، فباب التلبية مفتوح، لبيك يا أبا عبد الله بالدماء والأموال والأنفس، في كل زمان ومكان، فكل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء.

الفرَجُ المضمخ بدم الشهادة

18
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 10:54

الفرَجُ المضمخ بدم الشهادة
بقلم: السيد هاشم الموسوي
فرج الفقير في الغني، وفرج المسجون في الإفراج عنه، وفرج الأغزب في الزواج، وفرج الجندي في النصر، وفرج المريض في الشفاء، و لكننا في قاموس كربلاء وعلى لسان الإمام الحسين (ع) نجد فرجاً من نوع آخر، فلنطوِ الزمان والمكان، ولنصغ ِ للإمام الحسين في يوم كربلاء:
"اللهم أنت ثقتي في كل كربة ، وأنت رجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل عنه القريب والبعيد ، ويشمت به العدو ، وتعييني فيه الأمور أنزلته بك ، وشكوته إليك راغبا فيه عمن سواك ، ففرجته وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حاجة ، ومنتهى كل رغبة ، فلك الحمد كثيرا ولك المن فاضلا".
هذا الدعاء هو دعاء رسول الله (ص) في يوم بدر ، ويوم الأحزاب ، وهو أيضا دعاء دعا به سيد الشهداء (ع) يوم عاشوراء بكربلاء.
التوقف عند هذا الدعاء مع الأخذ بعين الإعتبار الظروف المحيطة الإمام الحسين يستدعي التفكير في توجه الإمام الحسين (ع) في كربلاء إلى الله تعالى بهذا الدعاء العظيم، ومن هنا لنا أن نثير عدة عناوين:

الثقة بالله تعالى
الوقفة الأولى مع قوله ( اللهمَّ أنت ثقتي في كل كرب) فإذا كانت هذه العبارة واضحة في يوم بدر ويوم الأحزاب بالنسبة للرسول الأعظم (ص) باعتبار أن هاتين المعركتين انتهتا بالنصر المؤزر للمسلمين، فهل الواقع أيضاً ينطبق على واقعة الطف التي انتصر فيها يزيد وعسكره انتصاراً عسكرياً، وقام بسحق أهل البيت (ع) وسبي نساءهم؟، فما الثقة التي يتكلم عنها الإمام الحسين(ع) في هذا المقطع وهو المقتول والمظلوم والمسحوق تحت حوافر الخيل وهو الذي شاهدت عيناه أهله وأنصاره يُستشهدون الواحد تلو الآخر في ميدان المعركة.

الرجاء في الشدة
الوقفة الثانية تتمثل في إثارة سؤال مفاده : ما الرجاء الذي كان يرجوه الإمام الحسين؟ وما بقي له من هذا الرجاء؟ وماذا أعطى الله تعالى عبده وحبيبه الإمام الحسين (ع) في تلك الصحراء القاحلة التي كانت تصهر خده الذي طالما قبَّله رسول الله (ص)؟ فما النصر نصرٌُ عسكري مادي، ولا هو نصرٌ غيبي ملائكي كما حدث في معركة بدر.

الفقر إلى الله
الوقفة الثالثة تتمثل في مفردة الكرب الذي نزل بالإمام الحسين(ع) وهو كربٌ لو نزل على الجبال الرواسي لزالت، فأي قلب يتحمل هذا الكرب العظيم؟ الإمام الحسين(ع) يقول إن صبره في ذلك اليوم إنما كان بتوفيق من الله تعالى، ( كم من كرب يضعف عنه الفؤاد) وهكذا نجد العظماء إذا تربعوا على قمة العظمة الشمَّاء ينحنون لعظمة خالقهم ولسان حالهم يقول ( ربِّ إني لما أنزلت إليَّ من خيرٍ فقير)، يا إلهي لولا تسديدك لي لما تمكنت من تعدي هذا الاختبار العسير، بعد أن تخلى عني القريب والبعيد وبقيت وحدي في ميدان المواجهة، ولكني لست لوحدي فأنت معي، فليتخلَّ القريب والبعيد، وليشمت العدو، فإني انقطعت إليك ورغبت فيك، فلم تعد هذه المعادلات التي تحسب بعشرات الآلاف من الجنود تؤثر في قراري الذي اتخذته لنصرة دينك، فلأكن لوحدي أمام الألوف، فلا وزن لهؤلاء الألوف في نفسي، والسبب يكمن في أنك أنت ولي كل نعمة وصاحب كل حاجة، اما هؤلاء فرضوا عني أم غضبوا عليَّ، نصروني أم خذلوني، وقفوا معي أم ضدي، فإن ذلك لا يغير بمقدار شعرة واحدة ما بنيته من بنيان شامخ بيني وبينك يا رب، فأنت محور تحركي وأنت منطلق جهادي ورضاك رضاي.

الفرج في عيون الإمام
والآن فلنتعرف على الثقة بالله التي يتكلم عنها سيد الشهداء(ع) ، وعن الرجاء الذي تحقق في أشد اللحظات خطورةً في تاريخ البشرية، وعن الفرج الإلهي الذي عبَّر عنه الإمام الحسين(ع) بعدة ألفاظ مترادفة: " ففرَّجته وكشفته وكفيتنيه" وبالتأمل في هذا الأمر نرى أن الإمام الحسين (ع) يرى أن الفرج وكشف الهم وكفاية الغم تتمثل في النجاح في الامتحان الصعب، والثبات حتى النفس الأخير، تتمثل باللطف الإلهي على ذلك الفؤاد الذي منَّ الله عليه بالقوة ليسطر ملحمة الفداء التي تتردد أصداؤها على جدران الزمن الممتد ليسمع حروفها الجيل بعد الجيل والأبناء بعد الآباء، تتمثل في الوصول إلى سدرة " إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى" فرضاك هو كلُّ ما تنظره عيناي وتسعى له قدماي ويهيم به قلبي، أما الهم والغم والكرب فيتمثل في الفؤاد الضعيف الذي حرمه الله ألطافه فلم يعد يصمد في العواصف، فيتقهقهر صاحبه في ساعة العسرة، ويفشل في الامتحان، ويتخاذل عن إيصال الرسالة، ويجبن في المعركة، ويتراجع تحت الضغوط، وينجرف في التيار، وأنت ياربَّ قد فرَّجت عني هذا الكرب والغم فلم أعد كذلك بل بمنِّك ولطفك انتصرت بنصرتي لدينك.

المنطلقات القرآنية في الثورة الحسينية

17
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 21:50

المنطلقات القرآنية في الثورة الحسينية
بقلم: السيد هاشم الموسوي

لم يكن الإمام الحسين (ع) لينفصل لحظة عن خط القرآن وفكر القرآن، كما يفيد ذلك حديث الثقلين المعروف والذي يؤكد حقيقة أن القرآن والعترة لن يفترقا حتى يردا على رسول الله (ص) الحوض، ولذلك فمن المستحيل أن ينطلق الإمام الحسين في ثورته بعيداً عن أوامر القرآن الكريم وإرشاداته وروحه وقيمه ومبادئه.
من اعترض على نهضة الإمام الحسين (ع) وثورته من المسلمين لم يدرك – غفلة أو تغافلاً – هذه الحقيقة، ولو أدرك هذه الحقيقة لما وسعه أن ينكر على الإمام الحسين قيامه ضذ الظلم والاضطهاد والفجور إذا علم أن القرآن الكريم يساند هذه الحركة ويباركها ويحث على نصرتها. أما إذا لم يكن المعترض مسلماً فلسنا في وارد الرد عليه لأنه لا يؤمن بكتاب الله ولا يفهم مبدأ التضحية و الجهاد في سبيل الله والفداء من أجل الدين وما شابه ذلك.

مما يميز ثورة الإمام الحسين (ع) صفاؤها ونقاؤها وطهارتها من كل ما يشوِّهُ صورة الثورة، فلم يكن أحد من أنصار الإمام الحسين ليعتدي أو يظلم أحداً، وهذه النقطة تكاد تخلو منها كل ثورات الدنيا، الثورات تصاحبها حركات تقوم على ردود الأفعال، فتقترف الظلم في معرض ردها على الظلم، فتلبس ثوب الظلم الذي احتجَّت عليه، وتكون في موقع الظالم بعد أن كانت في موقع المظلوم، والنسبة تختلف قلة وكثرة بين ثورة وأخرى، وهي جلية وواضحة في ثورة بني العباس على بني أمية، حيث وصلوا إلى درجات بني أمية في الظلم وتجاوزوها حتى قال الشاعر في ظلم بني العباس لآل البيت (ع):

واللهِ ما فعلتْ أميةُ فيهمُ مِعْشار مَا فعلتْ بنو العباس ِ

والإمام الحسين (ع) حافظ على نقاء هذه الثورة باعتبارها نموذجاً ومثلاً أعلى لكل ثورة صادقة، فما شابها ولو قليل من الظلم أو الانحراف، وكيف لا يكون الإمام الحسين كذلك وهو ينطلق من القرآن ومع القرآن وبالقرآن الذي يقول: " والله لا يحب الظالمين" آل عمران: 57، فكيف يستقيم حب الإمام الحسين لله وحب الله للإمام الحسين إذا كانت الثورة تمارس الظلم – ولو تحت الضغوط النفسية والسياسية والعسكرية والاجتماعية- .

والإمام الحسين الذي يقول (( ألا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة ، وهيهات منا الذلٌة , يأبى الله لنا ذلك ورسوله ، ونفوس أبية ، وانوف حمية , من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ... )) . ينطلق من قوله تعالى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)" آل عمران: 173-174. ولا نرى في التاريخ مثيلاً للجيش المحتشد الذي احتشد بآلافه المؤلفة ضد فئة قليلة لا تتجاوز الثلاثة والسبعين، فكان الإمام الحسين من مصاديق هذه الآية فهو لا يخشى إلا الله ولا يركع إلا لله، وكانت النتيجة أن انقلب بنعمة من الله وفضل، انقلب بنعمة الشهادة وسكن دمه في الخلد.

الإمام الحسين الذي يقول " ( إني لم اخرج أشرا ، ولا بطراً ، ولا ظالماً ، ولا مفسداً ، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي ، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) ينطلق من قوله تعالى : " وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" آل عمران: 104، ومن قوله تعالى: " إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" هود: (88)، ومن قوله تعالى: " وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" القصص: (77)، وكان يبرئ نفسه من تهمة أن يكون أشراً كما برأ الله نبيه صالح في قوله تعالى: " أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنْ الْكَذَّابُ الأَشِرُ (26)" القمر: 25-26.

والإمام الحسين (ع) الذي استشهد بقول جده رسول الله (ص) "أيها الناس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله". ينطلق من قوله تعالى: " قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" الأعراف: (33)، وأيُّ فاحشة لم يرتكبها يزيد؟ والإمام الحسين يقول: " يزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة ومثلي لا يُبايع مثله"

ماذا نقول عن ارتباط الإمام الحسين بالقرآن؟ وكل أنفاسه ونظراته وسكناته وذرات جوارحه ونسائم جوانحه متعلقة بذلك الكتاب، يفديه بروحه ويصونه بدمه الطاهر فيموت لكي يحيا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قلم آغا بزرك

13
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 22:14

(قلم آغا بزرك)
بقلم: السيد ها شم الموسوي

الشاب يمتلك من العنفوان والطاقات العقلية والجسدية والإبداعية ما لا يمتلكه غيره ممن يعيش في المراحل الأخرى من عمر الإنسان، ومن هذا المنطلق علينا أن نفجِّر هذه الطاقات في العمل الخيري قبل أن ندخل في دائرة العجز والانشغال والذبول والمرض والشيخوخة الإضمحلال.

آغا برزك..
يقول المرحوم الشيخ الوائلي في إحدى محاضراته أنه دخل على المرحوم الشيخ آغا برزك الطهراني ( صاحب كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة) وقد بلغ من الكبر عتيا بحيث لا يستطيع أن يمسك القلم بيده، فكان يربط القلم بيده ويكتب.

في القصة المذكور عدة دروس:

الدرس الأول: وهو موجهٌ للشباب، يتمثل في أن يسخِّروا ما يمتلكونه من طاقات كبيرة في العمل الخيري لأنه في هذه المرحلة أكثر فاعلية، وهذا يشمل الطاقات الروحية، فالمرحوم الإمام الخميني يقول : " إنَّ الشباب أقرب إلى عالم الملكوت".

الدرس الثاني: أن لا تتوقفوا – أيها الناس- عن عمل الخير مهما كانت الصعوبات كبيرة، فالشيخ آغا بزرك لم يستطع أن يمسك بالقلم ولكن لم يجعل هذا عذرا له للتوقف عن العطاء، بل واصل العطاء إلى النـَّفس الأخير.

الدرس الثالث: أن العمل الخيري مهما كان صغيراً فإنه يستحق بذل الجهد، والاعتناء له بكل ما أوتي الإنسان من قوة، فالله تعالى حث على عمل الخير حتى لو كان بمثقال ذرة كما ورد في سورة الزلزلة في قوله تعالى : " فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره" الزلزلة:7 ، فالعمل له قيمة عند الله، وثوابه جزيل، وقد يكون العمل القليل المقبول هو الذي يُدخل الإنسان الجنة، وقد يكون العمل الكثير والبارز والمشهور غير مقبول عند الله، فلا ينبغي علينا الاستهانة بأي عمل خيري مهما صَغـُر.

الدرس الرابع: إغتنام الفرص، فقد ورد في الحديث عن النبي (ص) : " اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك،وفراغك قبل شعلك، وحياتك قبل موتك" فمن فاته شبابه وصار في الشيخوخة، فإنه لا زال على قيد الحياة، والحياة يستفاد منها قبل أن يكون الإنسان مكبَّلا بأغلال التراب في القبر.

إذن ينبغي علينا أن نجعل من كل دقيقة من دقائق الحياة معبراً لرضا الله تعالى فالإمام علي (ع) يقول: " الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما"

الاستعانة بالصلاة في الجهاد الزينبي

07
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 08:37

الاستعانة بالصلاة
في الجهاد الزينبي
بقلم: السيد هاشم الموسوي

يستغرب البعض من موقف السيدة زينب (ع) في ليلة الحادي عشر لأنها التزمت بنافلة صلاة الليل من جلوس رغم هول الفاجعة وعظم المصيبة وكثرة البلاء ووداع الأحباب ووحشة الليل، إلا أن الأمر سيخلو من الغرابة والاستغراب إذا ما عرفنا أنَّ السيدة زينب (ع) هي خريجة مدرسة القرآن الكريم الذي يقول : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة:(45)، ويقول في موضع آخر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة: (153)، ثم إن زينب أيضاً خريجة مدرسة الإمام علي (ع) يقول عنه الإمام الصادق (ع) : ( كان الإمام علي إذا هالهُ شيء فزع إلى الصلاة ثم تلا هذه الآية ( واستعينوا بالصبر والصلاة) ). (1) فنتيجة الكلام هي أن أهل البيت (ع) ومن تربوا تربيتهم إذا كانوا ملتزمين بالنوافل وبالصلاة في أيام الرخاء والأمن، فإن المصائب وشدة البأساء لا تزيدهم إلا تمسُّكاً بها في أيام العسر، وهم ينهلون من هذه الصلاة طاقةً روحيةً جبَّارةً تمكنهم من الوقوف أمام الطواغيت والعتاة والمردة وقفات يسطرها التاريخ بأحرف من ذهب على صفحات المجد والعزة، وزينب وعلي والحسن والحسين كلهم خريجو مدرسة النبي الأعظم (ص) الذي خاطبه الله تعالى في سورة المزمل (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) ) سورة المزمل :1-4، هذه الآيات توجه النبي لصلاة الليل وقراءة القرآن في السحر وتأمره بترك النوم والتفرغ للعبادة نصف الليل أو أقل من ذلك أو أكثر، وقد التزم النبي (ص) بهذه الأوامر حتى أشفق الله عليه وخاطبه في سورة طه : (طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) ) طه:1-2، ولكن لماذا هذا التعب الليلي وهذا الجهد في الاستزادة من زاد الليل، هذه الطاقة الروحية التي يحصل عليها النبي في الليل تعينه على تبليغ الرسالة في النهار ومواجهة الكفَّار والمشركين، يا أيها النبي تزوَّد من زاد الليل لكي تتقوى على الأعداء في النهار (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً) المزمل: (5)، وزينب عليها السلام كان عليها أن تتحمل مسؤولية ثقيلة، أن تصدع بصوت الحق في زمن الذل والجبن والتراجع والانكسار والسكوت على الباطل والخنوع والانـحناء، كان لا بدَّ له أن تطلق الصوت الذي كان صدىً لصوت النبي الأعظم (ص) فكيف بها أن تقوم بهذه المسؤولية الكبيرة دون أن تتزود من المعين الذي كان النبي (ص) يشرب منه في ظلمات الأسحار، لا بدَّ لها أن تشرب من ذلك الكأس الذي يعطيها روحاً من روح النبي (ص) وصموداً من صمود النبي (ص) وشموخاً من شموخ النبي (ص) وعزَّة من عزَّة النبي(ص)، كان لا بدَّ لها أن تترك التزمل وتقوم في تلك الليلة كما قام جدها وتواجه المنحرفين والضالين والمفسدين كما واجه هو (ص) الكفار والمشركين والمعاندين، فسلاحها سلاحه ولسانها لسانه وجهادها جهاده، هي امتداد له وتلميذته التي قدَّمت في التضحية أعلى نموذج وفي الصبر والصمود أروع موقف، وما كان لها أن تكون كذلك لولا الاستعانة بالصلاة، كيف لا والصلاة هي الصلة بين العبد وربه، وهذه الصلة تمثل قناة ً يفيض من خلالها الخالق على خلقه فيوضات ألطافه التي جعلت من زينب وأمثالها قبلةً لقلوب الثائرين، و منهلاً لجهاد المجاهدين ونموذجاً لصمود الصابرين، وإذا أردنا أن نعرف كيف صلَّت زينب صلاة الليل في تلك الظروف العصيبة؟ وما أهمية صلاة الليل علينا أن نقرأ حديث الإمام الحسن العسكري الذي يقول: "إن الوصول إلى الله عز وجل سفر لا يُدرك إلا بامتطاء الليل" ومن هنا ينبغي علينا التأكيد على الاقتداء بزينب وبأهل البيت في الاستعانة بالصلاة وبالخصوص صلاة الليل في مواجهة هموم الحياة ومشاكلها المادية والمعنوية وفي الوصول إلى الله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مختصر الأمثل - ج1، ص 122.
(2) تحف العقول : 360 ـ 363 ، بحار الانوار78 : 370 ـ380 ـ باب29.

دموع من ذهب

04
أبريل
2010
abumuntadhar — @ 09:28

دموع من ذهب
بقلم:السيد هاشم الموسوي
عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع)، قال: كان علي بن الحسين (ع) يقول: أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين بن علي(ع) دمعة حتى تسيل على خده بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا، وأيما مؤمن دمعت عيناه حتى تسيل على خده فينا لأذى مسنا من عدونا في الدنيا بوأه الله بها في الجنة مبوأ صدق، وأيما مؤمن مسه أذى فينا فدمعت عيناه حتى تسيل على خده من مضاضة ما أوذي فينا صرف الله، عن وجهه الأذى وآمنه يوم القيامة من سخطه والنار.
يقسم هذا الحديث دموع البكاء على الحسين إلى ثلاث:
الأولى : دمعة الحزن على قتله (ع) وثمنها أن يسكن أحقاباً في غرف الجنة، وما أعظمه من أجر، دمعة تسيل على الخد يكون هذا أجرها، نعم لأنَّ هذه الدمعة خرجت من تلك القلوب المحترقة بآلام الحسين، ومن تلك الحرارة التي عبر عنها الإمام الصادق بأنها لن تبرد أبداً، فسلوك البكاء سلوكٌ ينبغي التأكيد عليه، ومن لم يبك فليتباكَ، أي يجعل نفسه في أجواء البكاء، لكي لا يحرم نفسه من هذه النعمة العظيمة.
الثانية : دمعة التألم لأي أذىً مسَّ أهل البيت (ع) ومن هنا نرى تأكيد الزيارات الواردة عنهم على هذه الحالة التي ينبغي على الإنسان أن يعايشها طول حياته وهي حالة ( سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم وولي ولمن والاكم وعدوٌ لمن عاداكم) فالمؤمن الموالي لأهل البيت يشعر أن الأذى الذي لاقوه موجهٌ إليه بصورة مباشرة، بل يشعر أن من آذى أهل البيت شرٌ ممن آذاه لأنهم أولى به من نفسه.
الثالثة: هي دمعة التحمل لأذى الآخرين لأنه قد والى محمد وآل محمد (ص)، فلسان حال الحديث ينطق بما نطق به محمد (ص) لآل ياسر حينما قال : " صبراً آل يا سر إن موعدكم الجنة" هنا أيضاً هذا لسان حال هذا الحديث يقول صبراً شيعة آل محمد على الأذى في حبنا، فدموعكم التي تسيل بسبب ولائكم لنا ستطفي لهب النار يوم القيامة، وستكون أمناً لكم يوم الفزع الأكبر، فما أعظمها من قطرات تسيل من دموع شيعة الحسين حزناً على فقده أو تألماً لما جرى عليه وعلى آل بيته والأئمة، أو تحملاً للأذى في حبهم، جعلنا الله من الباكين على مصابهم والطائعين لأمرهم وحشرنا الله معهم يوم القيامة إنه سميع مجيب.

إطلالة على حديث العليلة

31
دجمبر
2009
abumuntadhar — @ 09:45

إطلالة على حديث العليلة

بقلم: السيد هاشم الموسوي

"حديث العليلة" قصيدة عزائية من تأليف الشاعر المتألق نادر التتان وأداء الشيخ حسين الأكرف والهندسة الصوتية لحسام يسري، القصيدة صدرت في إصدار بعنوان "أحاديث" قبل عامين.

أبدع الشاعر في هذه القصيدة بتعابيره العجيبة التي كثيراً ما تتميز بالعمق والحمل على أكثر من معنى، وإني لأجد في كلِّ كلمةٍ من هذا القصيدة معاني رائعة ولا مكان للحشو والكلمات التي لا غرض لها إلا سدّ الفراغ في وزن شعري أو في قافية، وفي الواقع إني أرى أن هذه القصيدة هي من أجمل ما كُتب في رثاء الإمام الحسين (ع).

أما مستهل هذه القصيدة التي خصصها الشاعر في فراق فاطمة العليلة للحسين (ع) وما يحمله هذا الفراق من ألم يختزن واقعة الطف بأكملها، وكأنه المحور الذي تدور عليه رحى الأوجاع الكربلائية والمصائب الحسينية والدموع الهاشمية، يقول شاعرنا في مستهل هذه القصيدة وهي باللهجة الدارجة:

على وين .. و هذا حالي .. و انته الصبر
يا حسين .. و كل سؤالي .. ليش الهجر

أنا روحك فاطمة .. و تخليني يا غالي

المستهل على بساطة ألفاظه ووضوحها يحمل عمقاً عاطفياً وتساؤلا ممتزجاً بلوعة الفراق (على وين؟) إلى أين أنت ذاهب يا أبتي يا حسين وأنت تراني في هذه المصيبة (وهذا حالي)، المصيبة المركبة من المرض الشديد وفراق الأهل والوحدة، وسترى –عزيزي القارئ- أن كل أبيات القصيدة ستكون مرتبطة بالمستهل وبموضوع الهجر والبعد عن الأب الحبيب وهو الإمام الحسين (ع)، وفي الشطر الأول يحتمل أن يقصد الشاعر من قوله (وانته الصبر) هو أن الحسين كان صابراً حتى تجسَّد الصبر فيه، كما نقول للشخص العادل عدل، وقد يُفهمُ منه أن الحسين بالنسبة لفاطمة العليلة هو الصبر فإذا تركها ومضى عنها فإن الصبر يمضي معه، أي أنها ستفقد الصبر مع فقدان الحسين؛ لأن الحسين هو صبرها فإذا ذهب ذهب صبرها.

وفي الشطر الثاني عتاب شديد اللهجة ممزوج بعاطفة جياشة ( يا حسين .. وكل سؤالي .. ليش الهجر) فالعليلة تبحث عن تفسير لسلوك أبيها في هجرانها مع أنها لم تتعود منه هذا السلوك، فهي في حيرة شديدة ولا تجد تفسيراً لتركها وحيدةً والابتعاد عنها.

وفي الشطر الثالث يقول (أنا روحك فاطمة وتخليني يا غالي) وهذا الشطر يحمل من كلمات الدلال العاطفية من البنت لأبيها الراحل ما يثير شجونه ويهيج أحزانه. وطالما تخيلت الإمام الحسين وقد بُعث من عالم الغيب وسمع هذه الكلمات وبكى لما تثيره من عتاب ولوم من ابنته التي فرض عليه القدر الإلهي أن لا يصطحبها معه إلى رحلة الفتح ويوم الانتصار بالدم على السيف.

الفقرة الأولى
يَلبالظعينة مشى و هجرني .. وسفة و لا ذكرني .. عذابي غريب
لم الأحبة و لا انتظرني .. و أعذره لو عذرني .. ظلامي رهيب

عدم ذكر الأب للعليلة لا يحمل على الحقيقة وإنما المقصود من عدم ذكره لها هو عدم أخذها معه، وهذا ما سبَّبَ لها عذاباً لم يجد الشاعر وصفاً له فعبر عنه بأنه (غريب) ليجعل السامع يهيم في احتمالات متعددة ومبهمة لنوع هذا العذاب الذي لا مثيل له في الدنيا، ثم يقول: "لَمِّ الأحبة ولا انتظرني"، فهي تتألم من هذا المنظر والأحبة هم أحبتها الذين ستفتقدهم في رحلة العذاب والآلام، وأحبة والدها الذي لمَّهمْ ولكنه لم يجعلها -مع أنها من أحب الأحبة- معهم، فلماذا لم تكن بين أحبة الحسين الذين جمعهم ليرافقوه في رحلة الخلود وحرمها من صحبته، وقوله (واعذره لو عذرني) يبدو أنه يريد أن يقول أن الإمام الحسين سيعذرها عندما وجهت له اللوم لما يعرفه من حبها له وعدم قدرتها على فراقه، فهي تعيش في ظلام رهيب وهو الوصف الآخر الذي اختاره الشاعر أيضاً ليترك المجال أمام المستمع في تصور آلام هذه الطفلة المحرومة.

كلما رجيته .. وبالدمعه جيته .. طفلة على باب الدار
يمكن عليله .. واكسر دليله .. لكن نظر لي و دار
وشفته يغيب يغيب يغيب

إلا أن هذا العذر لتقبل لوم العليلة من قبل والدها الحنون لم يثنِهِ عن قرار تركها وعدم اصطحابها حتى تحت ضغط الإلحاح والترجي، وقد أتت هذه العليلة وكان (رأس مالها الرجاء وسلاحها البكاء) وفي دعاء كميل (ارحم من رأس ماله الرجاء وسلاحه البكاء) ولكن الرحمة هنا لم تأتِ من الأب في هيئة الاصطحاب بل في هيئة الترك والهجر. وكانت تأمل في مرضها أن يليِّن قلب والدها ويثنيه عن قراره الذي فطَّر قلبها ولكن ذلك لم يحدث (لكن نظر لي ودار)، وهنا يستخدم الشاعر الجناس بين كلمتي دار التي تعني التفت ودار وجهه، وبين كلمة دار التي هي بمعنى البيت، ثم انظر إلى المنظر الرائع الذي يصوره بقوله (طفلة على باب الدار) بما توحيه هذه الكلمات من حالة نفسية يشعر القارئ وكأنه يطوي صفحات التاريخ وينظر بعينيه إلى فاطمة وهي واقفة تراقب ذلك المنظر.

ثم إن روعة التكرار في كلمة "يغيب يغيب يغيب" تصوّر لك ألمها وهي تراه كلما مشى خطوة وابتعد عن مرمى بصرها حتى تلاشى في غياهب الطريق، فهذا المقطع يبيّن لك أن قلبها كان يتقطع مع كل خطوة يخطوها حبيبها الوالد ومع كل لحظة من لحظات المسير بصورة مستمرة بحيث تكون اللحظة اللاحقة أشد وأقسى من اللحظة السابقة.

ولا غاب وسط خيالي .. ويِّه الحزن
في عذابي واعتلالي .. ظليت أحن
من يعوضني الحنان .. ويضمن لي دلالي
*** *** ***
ولكن هذا الغياب كان غياباً عن العين ولم يكن غياباً عن الروح التي عبّر عنها الشاعر بالخيال (وسط خيالي)، وهذا ما جعلها تغرق في بحار الحزن وتتساءل عمّن يمكنه أن يعوّضها حناناً كحنان الحسين، ويدللها دلالاً كدلال الحسين، وإذا كان الشيعة بعد أكثر من أربعة عشر قرنا يعيشون تجاه الحسين بمشاعر ليست لها مثيل، فكيف بهذه الطفلة التي عاشت في جنة الحسين وشعرت في لحظة من اللحظات أنها تخسر هذه الجنة؟

الفقرة الثانية

تسهر دَمِعْتي في كل مسيه .. والوله اللي بيّه .. رسم لي خيال
لكبر سكينة علي رقيه .. وماحد يرد عليّه .. وفي ﮔـلبي سؤال

عبدالله وينه .. وحشتني عينه .. حب مثله ما حبيت
صَدِﮒ يَبويه .. ما شفت أخويه .. يحبي بوسط هالبيت

و أﮔـله تعال تعال تعال

في الفقرة الثانية ينتقل الشاعر إلى مرحلة ما بعد الرحيل ومعاناة الطفلة في وحدتها، وقد أبدع بقوله: "تسهر دمعتي"؛ حيث أوصل فكرة السهر الممزوج بالدموع في هاتين الكلمتين، وقد نسب السهر إلى الدمعة، وفي هذا خروج عن المألوف الراتب من إسناد السهر إلى الإنسان، ثمَّ صوَّر مشاعرها حيث إن ولهها واشتياقها رسم لها خيال إخوتها الذين تعوَّدت على مرافقتهم لها في البيت، فأخذت تنادي بصوتها العالي حينما تشبثت بقشة الخيال لعلها تظفر بلقاء إخوانها وأخواتها فأخذت تنادي: "لكبر سكينة علي رقية" ولكن أحداً لم يجبها. ثم يهيئ الشاعرُ المستمع ويجعله يفكر بقوله: "وفي قلبي سؤال" حيث يترقب السامع: ما هذا السؤال الذي في قلب العليلة؟ ثم يأتي الجواب المفجع: "عبد الله وينه ... وحشتني عينه ... حُب مثله ما حبيت" ومقدمة الجواب وتهيئة السامع لها أثر في افتجاعه عندما يعرف هذا السؤال الذي في قلبها، ثم إن تركيز الشاعر على العين بما تحمله من براءة الرضيع أثرٌ رائع وجميل وإحساس عاطفي عميق تجاه هذا الرضيع الذي ما أحبت العليلة أحداً كما أحبته، وهي التي كانت تترقب أن يحبو في البيت، وتقول له كما يقال للأطفال الذين يحبون: "تعال .. تعال .. تعال"، وهنا يتألق الشاعر في هذا المقطع حيث ينقل السلوك الذي يحدث في بيوتنا إلى تلك الحادثة التاريحية ويجعلنا نحس به، ولم أعرف أحداً استخدم هذا الأسلوب قبل نادر التتان، وقد كان الشعراء كثيرا ما يكتبون عن الرضيع بأن أمه تمنت أن تراه شاباً أو متزوجاً ولكن من التعابير الجديدة التي أبدعها الشاعر أن العليلة هي التي انتظرت عبد الله أن يحبو فهو محروم من الحبو فضلاً عن الوصول إلى مرحلة الرجولة أو الزواج وما شابه ذلك.

ثم يقول:
صدى نوحه مر في بالي .. و ما شفت أحد
و إلى روحه شوﮒ يلالي .. فرش المهد
و أنا لولي المهده .. يا بعد فاطمة خالي

تعجيل التوبة

19
دجمبر
2009
abumuntadhar — @ 15:47

رسالة من عاشوراء-1-
تعجيل التوبة
بقلم:السيد هاشم الموسوي

القرارات في حياة الإنسان قد تحتاج إلى تريث وتفكير، وقد تحتاج إلى تعجيل ومبادرة سريعة، وعلى الإنسان أن يقدِّر أهمية الأمر المتعلق باتخاذ قراره ليحدد مدى أولويته على جدول أعماله، وإذا كان الإنسان مهدد في أي لحظة بالموت فقد يفتح عينيه ولا يغلقهما أو يغلقهما ولا يفتحهما، فقرار التوبة والرجوع إلى الله لا يحتمل التأخير لدقيقة واحدة ولا عشر ثوانٍ لأننا لا نضمن أن في الوقت متسع لها، رسالة عاشوراء اليوم من الحر بن يزيد الرياحي الذي نجح في تجاوز كل العقبات ليتخذ القرار بالتوبة في اللحظات الأخيرة من حياته ليخرج نفسه من الدرك الأسفل من النار إلى أعلى درجات الجنة، فهل نستطيع أن نكون من تلامذة الحر ونستفيد من إرادته الفولاذية التي تقتحم كل السدود عندما تنظر بعين اليقين؟

الأخسرون أعمالاً

02
دجمبر
2009
abumuntadhar — @ 09:08

الأخسرون أعمالاً
بقلم: السيد هاشم الموسوي

قال تعالى : {قُل هل نُنَبِئكم بالأخسرين أعمالاً، الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً}.الكهف: 103، نستفيد من الآية الكريمة عدة دروس:

1- الدرس الأول: يتمثل في التوقف على مفردة ( أعمالا) فالآية لم تقل ( الأخسرين عملاً) بل جمعت هذه اللفظة فقالت ( أعمالاً) ونستفيد من ذلك أن العمل حتى لو كان كثيراً وعظيماً من حيث الكم فإن هذه الأعمال تفتقر إلى القبول الإلهي إذا لم تتوفر على شروط القبول ومن أهمها الإيمان بالله وتوحيده والإخلاص له فليس المهم أن تكون لنا أعمالاً وإنجازات وإحصائيات وأرقاماً قياسية، ونحن لا نغفل هنا الكم وأهميته، ولا ندعو إلى ضعف الهمة في العمل الخيري، ولكن نقول إن الكثرة غير المستندة إلى أساس وهو أساس التوحيد في العقيدة والإخلاص في العمل تفتقر إلى القبول من الله تعالى.
2- الدرس الثاني: ويستفاد أيضاً من مفردة ( أعمالاً) حيث يشير صاحب تفسير الأمثل أن الله تعالى عبر بـ ( الأخسرين أعمالاً) ولم يعبر بـ ( الأخسرين عملا) مع أن التمييز يكون عادة مفرد ويعلل ذلك بأن الصياغة القرآنية تشير إلى أنهم لم يخسروا عملاً واحداً بل إن جهلهم المركب جعلهم يخسرون كل البرامج وكل الأعمال، فقد يخسر التاجر في معاملة ويربح في أخرى ويغطي ربحه خسارته فتكون المحصلة النهائية هي الربح، هؤلاء ليسوا كذلك بل خسروا بجهلهم المركب الجهد الذي بذلوه وأتعبوا أنفسهم في إنجازه.
3- الدرس الثالث : أيضاً في كلمة ( أعمالا) فإن هذه الأعمال الكثيرة قد تقود الإنسان إلى العُجب والإنسان الذي لا عمل له ينجو من داء العجب، بينما صاحب الأعمال الكثيرة يصاب بهذا الداء، هذا ما يستفيده المربي الفاضل سماحة الشيخ حبيب الكاظمي كما في موقعه ( السراج ) في تأملاته حول هذه الآية المباركة.
4- الدرس الرابع: الحذر الدائم من كون عمل الإنسان غير مقبول عند الله، ولهذا ينبغي المداومة على دعاء ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً) حتى لا يغفل الإنسان وهو في غمرة العمل عن ضرورة مقبولية عمله من قبل الله تعالى، و الإنسان قد يبدأ العمل بإخلاص وصدق نية ولكنه في منتصف الطريق يصاب بداء العجب أو الرياء أو الحقد أو الاصطدام في خلافات مع المؤمنين تكوِّن عنده ما يعكر صفو هذا الإخلاص الذي بدأ به وهذا ما نستفيده من الدعاء المبارك ( وأستغفرك لما أردت به وجهك فخالطني ما ليس لك) فالإنسان ينبغي عليه أن يراقب منطلقات العمل قبل بدايته، ويراقب نفسه أثناء العمل ثم يحاسب نفسه بعد العمل، وهو ما يصطلح عليه علماء الأخلاق بالمشارطة والمراقبة والمحاسبة، لكي يطمئن إلى سلامة عمله وقبوله عند الله تعالى.
5- الدرس الخامس: إن الإنسان يمكنه الآن أن يراجع نفسه في هذه الدنيا لكي يتأكد ويتيقن أنه على الصراط المستقيم، لأن الإنسان يمكنه أن يتدارك ضلاله في هذه الدنيا بالتوبة والرجوع إلى الله، أما إذا لم يتدارك هذا الأمر فإن الخسارة لا تعوض في العالم الآخر، فالصفحة قد طويت والوقت قد انتهى والعمر قد انقضى وخسر الإنسان صفقته، ففي الدنيا عملٌ ولا حساب أما في الآخرة فحساب ولا عمل.
6- الدرس السادس: أهمية البصيرة في حياة الإنسان فكما ورد في الحديث أن (السائر على غير بصيرة، كالسائر على غير الطريق.. لا تزيده كثرة السير إلا بعدا) إذن سرعة المشي مهمة إلى درجة كبيرة في التمايز بين المتسابقين ولكنها عندما تكون في غير الطريق المطلوب تبعد الإنسان عن نقطة الوصول بدلاً من أن تقربه منها، والبصيرة هي بمثابة خارطة الطريق التي توصل الإنسان إلى الله تعالى، والسير بدون هدى هذه الخارطة يجعل الإنسان من الخاسرين لأنه لن يصل إلى النقطة المطلوبة.
7- الدرس السابع: الخسارة خسارتان فلم تعبر الآية عن الذي يخسر أمواله في صفقة دنيوية أنه من الأخسرين، لأن الصفقة الدنيوية مهما كبرت فإنها تعوض وهي دار فانية زائلة سرعان ما تنقضي وتتلاشى، ولكن الآية استخدمت صيغة المبالغة وهي ( الأخسرين) لمن لا يمكنه أن يعوض تلك الخسارة في ذلك العالم قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) الزمر: (47)، فإذا كانت الصدقة تدفع البلاء وصدقة السر تطفئ غضب الرب في هذه الدنيا، وحتى شق التمرة له تأثير هنا ففي تلك الدار لا تنفع الإنسان ثروات تقدر بما في الأرض جميعا ومثله معه، وهنا يكون الإنسان من الأخسرين أعمالاً حيث لا يستطيع أن يفدي نفسه من سوء العذاب يوم القيامة.