بين الأذن الواعية والأذن اللاهية
مارس
2010
بين الأذن الواعية والأذن اللاهية
بقلم: السيد هاشم الموسوي
التعاليم الإسلامية تحث الإنسان على التحكم بجوارحه، ومن أهم هذه الجوارح هي جارحة الأذن المعنية بالاستماع، وتمر عبرها الكثير من المعارف العلمية والمواعظ الأخلاقية من جانب، وكلمات الفحش والبذاءة والانحراف من جانب آخر، ومسؤولية الإنسان تكمن في اختيار ما يسمع، فكما أن مسؤوليته عن العين أن يختار ما تشاهد، ومسؤوليته عن الرجل أن يحتار الدرب الذي تمشي فيه، ومسؤوليته عن اليد أن تكسب الرزق الحلال وأن تكف عن الاعتداء على الأبرياء، كذلك مسؤوليته في اختيار المجلس والأصحاب والكلام الطيب الذي يرفع من درجته عند الله.
الانصات الخطوة الأولى للدعوة
السماع هو مجرد وصول الذبذبات الصوتية إلى الأذن دون أن يعيرها السامع إهتماماً، أما الاستماع وهو من الافتعال ويدل على المبالغة فهو يعطي الكلام اهتماماً خاصاً ومقصوداً، وقد أمر الله تعالى نبيه موسى بالإستماع فقال : (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى) طه:13، أما الإنصات فقد جاء جاء في لسان العرب : " ينصتن للسمع أي يسكتن لكي يسمعن" (1). قال تعالى : ( وإذا قرئ القرآنُ فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) الأعراف: 204. ومن المرجو أن يثمر الإنصات إلى القرآن ثماره على النفس البشرية لما له من تأثير كبير على تربية الروح الإنسانية، ولو وقفنا على آية أخرى تتكلم عن إنصات الجن للمسنا هذا المعنى، يقول الله تعالى: ( وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين* قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم* يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم) الأحقاف:29-31، إذن الانصات والاستماع باهتمام يهيئ السامع لدخول مرحلة التفكر في الآيات واستيعاب معانيها والبحث عما لم يفهم منها، وبالتالي تبليغها ليدخل هذا المنصت لآيات القرآن في مرحلة (حمل القرآن) فيحمل القرآن إلى قومه كما فعل هؤلاء الجن المؤمنون. وقد أثنى الله على النصارى الذين لم يستكبروا على الحق وأذعنوا له وتأثروا بما سمعوا من كلام الله تعالى فقال : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة :(83).
الأذن بين الوعي واللهو
وقد وصف الله تعالى الأذن بالوعي، فهناك فرق بين الأذن الواعية و الأذن اللاهية قال تعالى : (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) الحاقة: 11-12 . وقد وردت أحاديث تشير إلى أن النبي (ص) قال سألت الله أن يجعلها أذن علي (ع) كما ورد في عشرات الأحاديث التي رواها الشيعة و السنة (2)، فهذه هي الأذن الواعية أما الأذن اللاهية فقد نهى الله تعالى عن لهو الحديث فقال تعالى : (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) لقمان : (6)، وللهو الحديث عدة مصاديق أبرزها الغناء. (3)
حواجز لمنع وصول الكلمة
عندما أدرك الكفار أثر القرآن الكريم فإنهم حاولوا أن يصرفوا أسماع الناس عن سماعه خشية أن يتأثروا بألفاظه العظيمة فعمدوا إلى اللغو على طريقة التشويش على الإذاعات في العصر الحديث؛ حتى لا يستمع الناس إلى القرآن الكريم، قال تعالى : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) فصلت: 26.
الاستماع إلى المعارف والمواعظ
إذا نجح الإنسان في ضبط الكلمات التي تدخل إلى سمعه عن طريق الأذن، فاختار ما ينفعه من العلوم والمعارف والمواعظ والحكم، فإنَّ لهذا الإستماع الأثر الكبير في تقويم سلوكه وتثبيت عقيدته الحقة، أما إذا ترك سمعه مفتوحاً لأي كلام يصادفه ومن أي جهة من دون أن ينتقي ما يفيده، فإن ذلك سينعكس على صفاء روحه وعلى أخلاقه وعقيدته ودوره في المجتمع. قال الله تعالى : (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمْ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) الزمر : 17-18، وفي خطبة الإمام علي (ع) في وصف المتقين يقول : ( وقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم) (4) فهؤلاء لا يسمحون للقيل والقال أن يعبر عبر أسماعهم لما له من تأثير سلبي على أرواحهم وقربهم إلى الله تعالى.
الاستماع إلى الطرف الآخر
من الضروري في الحوار إعطاء الطرف الآخر فرصته لكي يتكلم، وفي الكثير من الأحيان يتسبب عدم الإستماع إلى الطرف الآخر في عدم فهم ما يريد أن يقول، وكان النبي (ص) يحسن الاستماع إلى درجة أن الكفار قد عابوا عليه وقالوا أنه (أذن) أي كثير الإستماع قال تعالى : ( وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) التوبة (61)، الأذن في الأصل تطلق على الحاسة السامعة، لكنها تطلق على الأفراد الذين يصغون كثيرا لكلام الناس أو كما يقال : شخص سمَّاع، والمنافقون اعتبروا هذه الصفة من نقاط الضعف عند النبي (ص) وفي الواقع هي من نقاط القوة لأن النبي استطاع أن يكسب بها ثقة الناس ومحبتهم ولذلك قال الله تعالى : (قل أذن خير لكم) (5). فإذا نجحنا في اتقان فن الإصغاء والإنصات والاستماع سنكسب الكثير من الخيرات والبركات والخبرات والعلوم والمواعظ و الحكم.
ــــــــ
(1) ابن منظور، لسان العرب، قم ، نشر أدب الحوزة، ج2، ص 98.
(2) الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل،بيروت: مؤسسة البعثة، ج 18،ص527.
(3) انظر المرجع السابق، ج 13،ص16.
(4) الإمام علي (ع)، نهج البلاغة، خطبته في وصف المتقين.
(5) انظر تفسير الأمثل، ج6، ص 95.

Wapher
del.icio.us