حقيقة السعادة
حقيقة السعادة
شخص واحد في السر والعلانية
في دعاء عرفة للإمام الحسين (ع): " اللهمَّ اجعلني أخشاكَ كأنَّـني أراكَ، وأسعدني بتقواكَ ولا تشقني بمعصيتكْ"(1).ينبغي على الإنسان أن يعمل على أن تكون سريرته كعلانيته، وهذا الأمر من الأمور الصعبة التي تحتاج إلى جهادٍ كبير، وإذا كان كذلك فسيكون شخصية واحدة إذا كان لوحده في خلوته أو إذا كان مع الناس من حيث السلوك والعلاقة مع الله تعالى، فهذا الشخص كما يمتنع عن المعصية أمام أعين الناس يمتنع عنها أيضاً إذا كان لوحده وبعيداً عن الرقابة الاجتماعية ؛ لأنه يستشعر الرقابة الإلهية، بل يشعر أنها أهم وأعظم من الرقابة الإجتماعية، والذي يُوفق لهذه الصفة الحميدة ويحقق مفهوم الدعاء "اللهمَّ اجعلني أخشاكَ كأنَّـني أراكَ" يشعر بحالةٍ نفسيةٍ مريحةٍ وهادئةٍ ومطمئنةٍ، بعكس الذي يُخفي ذنوبة عن أعين الناس، فهذا الإخفاء قد لا يطول كثيراً، وقد تفوح رائحته، وكم ترك المجرم من بصمات العار التي وصم بها جبينه، وهو يحسب أنه لن يطلع عليها أحد، فينكشف من حيث لا يحتسب، والناس لا ترحم من كـُشِفَ غطاؤهُ، فتنهار شخصيته، وقد يتمكن الشيطان من هذا الباب أن يسقطه اجتماعياً، ويبعده عن الإلتزام بشكل كلي، وهذا ناتج من ازدواج في شخصيته؛ فهو فاسق إذا كان لوحده، ومؤمن إذا كان مع الناس.
عمل الصالحات سراً
إذا كان الإنسان في خلوته عابداً متضرعاً بعيداً عن أعين الناس، أو أنه تصدَّق على الفقراء سراً، فلو انكشف أمره فإنما ينكشف عن الخير والطاعة والعبادة، وهناك إشارات إلى أن الإنسان إذا عمل على إخفاء أعماله الصالحة فإن الله يكشف مقامه للناس ولو بعد حين، وقد نقل لي أحد أصدقائي عن شخص يعرفه يقول أنه لم يكن يتوقع منه أنه يواظب على صلاة الليل، ولكنَّ ولده سأله : " هل توجد صلاة تصلى الساعة الواحدة ليلاً؟" فقال له : " ولم هذا السؤال؟" فقال: "لأنني أرى والدي يصلي في هذا الوقت"، فالله قد كشف هذا العمل الصالح الذي يقوم به هذا الشخص، مع أنه لم يسعَ في كشفه، وفي الواقع أنَّ كشف العمل الصالح للناس لا يمثل أمراً يستحق الاهتمام بعد أن رضي الله عن الإنسان، ورضوان من الله أكبر.
التقوى ترسخ الاطمئنان
أما قوله (ع): " وأسعدني بتقواك" فمن وجوه ذلك أنَّ التقوى هي التي توفر للإنسان الإطمئنان النفسي؛ لأنها تمنعه من ارتكاب المعاصي، وما الذي يجعل الإنسان يعيش القلق والاضطراب والشقاء غير المعاصي، فالقاتل بغير حق كيف يعيش لحظة سعيدة؟ وقد قرأت أنَّ شخصاً ارتكب جريمة قتل، ولم يُكتشف ثم سلَّم نفسَهُ بعد ثلاثين سنة، فلما سئل عن ذلك قال: " إنني كنت أتعذب طيلة هذه الفترة، وأنا أسلـِّم نفسي لكي يُنفذ فيَّ حكمُ الإعدام وأرتاح" ، وهذا لا يقتصر على ذنب القتل بل يشمل ذنب عقوق الوالدين والغيبة والسرقة وغيرها، لا سيما الذنوب المتعلقة بحقوق العباد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفاتيح الجنان، دعاء عرفة للإمام الحسين (ع)، ص 331.
عندما تنكشف السعادة المزيفة
السعادة المبنية على التقوى هي السعادة الحقيقية، أما سعادة الغناء والفجور والرقص فهي سعادة مزيفة، ولمَّا ينكشف الغطاء يتبين أنها لم تكن سعادة وإنما كانت شقاء، مسكين ذلك الذي يتجرع جرعة المخدِرات وهو يظن أنه يطير في السماء من الفرح، فلما ينكشف الغطاء في الدنيا يجد نفسه وقد انهارت، واضمحل جسمه، وذبلت وروده، وتكالبت عليه الأمراض، ورفضه المجتمع، فأي سعادة مزيفة هذه؟ هذا في الدنيا أما في الآخرة، قال تعالى : ( لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءَكَ فبصرُكَ اليوم حديد) (1) وذلك لأنه ؛ من الذين (يعلمونَ ظاهراً من الحياةِ الدُنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) (2).
السعيد الحقيقي
المتقي حتى لو كان معذَّبا مشرداً مسجوناً منبوذاً فهو السعيد الحقيقي ؛ لأنه سيكون سعيداً يوم يُقسم الناس يوم القيامة : ( فمنهم شقيٌ وسعيد) (3) ؛ لأنه سيكون من هؤلاء : ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاءً غيرَ مجذوذ ) (4) ، والأيام تمضي بسرعة وتنخر في حياة الإنسان، وما أجمل كلام الإمام الكاظم (ع) عندما كان في السجن حيث خاطب هارون الرشيد قائلاً ما معناه : " كلما انقضى يوم من محنتي وعذابي، سينقضي أيضا يوم من عيشك وصفائك ورفاهك، ستنقضي ايامي وأيامك ونصل إلى زمن لا ينتهي ابداً" إذن النعيم الزائف سرعان ما سينقضي، والبلاء في السجن سرعان ما سينقضي، والعاقبة للمتقين.
المعصية شقاء
"ولا تشقني بمعصيتك" وقد تفتح هذه المعصية أبواباً وأبواباً قد يتعسر على الإنسان غلقها، فكلما دخل في معصية أدخلته هذه المعصية في معصيةٍ أخرى، فيجد نفسه في دوامة من المعاصي، فالزنا قد تكون بدايته نظرة محرمة، والإدمان على الخمر والمخدِرات قد تكون بدايته جرعة قليلة أو تجربة عبثية.
اقتران السعادة بذكر الله وطاعته
من مصاديق السعادة أن يحمد الإنسان ربه على نعمه ؛ لأنَّ هذا الحمد والشكر يقتضي زيادة النعم ومضاعفتها، والإنسان يسعد بزيادة النعم، قال تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) (5) والإمام زين العابدين (ع) يقول في دعائه في التحميد : "حمداً نسعدُ بهِ في السعداءِ من أوليائِه"(6) فالإمام يعلمنا الحرص على أن لا تفوتنا سعادة ذكر الله المتمثلة في الحمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة ق: 22.
(2) سورة الروم:7.
(3) سورة هود: 105.
(4) سورة هود:108.
(5) سورة إبراهيم:7.
(6) الصحيفة السجادية، من دعائه في التحميد، ص 38.
السعادة في الرغبة إلى الله
من السعادة الرغبة إلى الله والتوجه إليه والابتعاد عما يصرف عنه، وهذا ما يشير إليه الإمام السجاد (ع) : "فالهالكُ منـَّا من هلـَكَ عليه، والسعيدُ منـَّا من رَغِبَ إليه"(1)، وهذه النصوص كلها تشير إلى هذا النوع من السعادة، وهناك نصٌ آخر يدعونا إلى فتح أعيننا القلبية لنبصر السعادة الحقيقية، ولا نفرح بالدنيا ونغتر بها، فيقول الإمام السجاد (ع) في دعائه إذا أحزنه أمر : " حتى لا أفرحَ بما آتيتني من الدُنيا، ولا أحزنَ بما منعتني"(2) فعجيبٌ أمر الإنسان الذي يفرح ويضحك وهو لا يدري هل الله راض ٍ عنه أم لا؟ ولا يحق لأحدٍ أن يفرح إلا بعد أن يتيقن أنه قد استظل بظل رحمة الله تعالى، وهذا القلق يجعل الإنسان يلح على الله في الدعاء بأن يجعله مع السعداء، حتى لو كان مكتوباً في أمِّ الكتاب مع الأشقياء، وذلك عن طريق البداء، يقول الإمام الصادق (ع) في دعاء ينقله الشيخ عباس القمي في كتاب الباقيات الصالحات: ( وإنْ كنتُ عندك في أمِّ الكتابِ شقياً فاجعلني سعيداً، فإنـَّك تمحو ما تشاء وتثبتْ وعندكَ أمُّ الكتاب)، و يقول الإمام السجاد (ع) في مناجاة الراجين: ( يا من سَعدَ برحمتِهِ القاصِدُون) وكذلك قرن الإمام السجاد (ع) بين العبادة والسعادة في دعائه إذا نظر للهلال قائلاً : ( وأسْعِدْ مَنْ تعبَّدَ لكَ فيه).
السعادة في حسن الخاتمة
حسن الخاتمة من الأمور التي تقلق الإنسان ؛ لأنها من الأمور المجهولة ؛ حيث أن الإنسان لا يدري ما ذا يكسب غداً وبأي أرض يموت وعلى أي هيئة يموت، هل يموت ساجداً في المسجد، أو مجاهداً في الحرب، أو مجاهداً في الكد على العيال، أم يموت بجرعة مخدِرات، أو نائماً على صدر فاسقة تحرم عليه، كيف ستكوني نهايتي ونهايتك؟ لا أدري ولا تدري، وطبيعة الإنسان أنه يخاف من المجهول، وهذه علامة الاستفهام المتثلة بهذا المجهول في معرفة حسن الخاتمة تلعب دوراً خطيراً ينبغي عليَّ وعليك أن نراعيه بحيث تكون كل أعمالنا حسنة؛ لأننا لا ندري متى سنموت، فإذا فعلنا فعلاً سيئاً لا نملك ضماناً أنه لن يكون آخر أفعالنا، والمخيف في هذا الأمر أننا نرى العديد من عمالقة التاريخ الذين وصلوا إلى درجات عالية جداً سقطوا في موقف ضعف وتهاوت أمجادهم في لحظات، فإذا كان بلعم بن باعوراء الذي عرف الإسم الأعظم ضعف وتهاوت أمجاده وصارت سراباً، فما الذي يضمن لي ولك أن لا نقع فيما وقع هؤلاء فيه، من هنا نجد تركيزاً شديداً على مسألة حسن الخاتمة، وبيان ارتباط حسن الخاتمة بالسعادة، فكم يسعد ذلك الإنسان الذي يشعر بالراحة عند الموت والعفو عند الحساب، يقول الإمام السجاد في دعائه بخواتم الخير: ( واجعل ختام ما تحصي علينا كتبة ُ أعمالنا توبة مقبولة لا توقفنا بعدها على ذنبٍ اجترحناهُ ولا على مَعصِيةٍ ارتكبناها) ويقول الإمام السجاد في دعاء عرفة: ( وبلَِّغني مبالغَ مَن عُنيتَ بهِ، وأنعمتَ عليهِ، ورَضيتَ عنه، فأعـَشـْـتـْهُ حميداً، وتوفيتهُ سعيداً) وهذه السعادة درجات ؛ فهناك من يحظى بدرجة الشهادة في سبيل الله التي قرنها الإمام السجاد (ع) بالسعادة في دعائه لأهل الثغور متكلماً عن المجاهد الغازي في سبيل الله: ( فإن ختمتَ له بالسعادة، وقضيتَ له بالشهادة) وهي سعادة لا يمكن أن يعرفها كل الناس إلا من هداه الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصحيفة السجادية، من دعائه في التحميد،ص37.
(2) المصدر السابق، من دعائه إذا أحزنه أمر،ص 107.
السعادة في الإحسان للجيران
السعادة مقترنة بكل أمر حسن، ومن ذلك الإحسان للجيران، وإذا ألقينا نظرة على دعاء الإمام السجاد (ع) لجيرانه نجد أنه (ع) يطلب من الله أن يوفقه لأداء حق جيرانه ومساعدتهم في الشدائد، ويطلب من الله أن يكون جيرانه يبادلونه هذه الصفات الحسنة، ثم يقول (ع) : ( حتى يسعدوا بي وأسعدُ بهم) ومن سعادة الإنسان أن يكون جاره طيباً، فلو أن الإنسان عاش في قصر ٍجميل ٍوفيه كل متطلبات الحياة وله جار خبيث، فإنَّ هذا الجار ينكد عليه حياته، وربما همَّ ببيع بيته لسوء أخلاق جاره، فهذه إضاءة في السعادة الإجتماعية التي ينبغي على الإنسان أن يعمل على تحقيقها مع جيرانه، كما يتمنى أن جيرانه يكونون كذلك.
السعادة مع الحور العين
وأختم بهذه الطريفة حيث أن أحد المستمعين كان يستمع إلى دعاء شهر رمضان الذي يُقرأ عادة بعد دعاء الإفتتاح: ( اللهم برحمتك في الصالحين فأدخلنا، وفي عليين فارفعنا ...) وكان متكئاً ناعساً وغير متفاعل مع كل فقرات الدعاء، فلما وصل القاريء إلى هذه الفقرة : ( ومن الحور العين برحمتك فزوجنا) اعتدل صاحبنا ورفع يديه ونادى بأعلى صوته ( يا ألله) فهل يمكن لمثل هذا أن يعرف باقي أنواع السعادة التي اعتقد أنها مقتصرة على الحور العين؟.

Wapher
del.icio.us