الفساد الاقتصادي في القرآن الكريم
الفساد الاقتصادي
في القرآن الكريم
بقلم: السيد هاشم الموسوي
الفساد الاقتصادي من أعظم المشاكل التي تواجه الإنسان، والويل لمجتمع يجد فيه المفسدون الاقتصاديون ملاذاً آمناً يحتمون به حينما يراد محاسبتهم أو معاقبتهم، ومم يخاف السارق إذا كانت القوانين تحميه وتوفر له البيئة التي تمكنه من السرقة وظلم الآخرين، وهنا نجد أن الإسلام يعمل على زرع روح التقوى التي هي وصية الأنبياء والأئمة حتى لا يرضى الإنسان لنفسه هذه الصفات الذميمة حتى لو توفرَ له الجو المناسب لها، هو لا يرضى لنفسه أن يكون ظالماً حتى لو توفرت له ظروف الظلم، فالإمام علي يقول : (والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت) إذن الإصلاح الاقتصادي يبدأ بإصلاح النفس عند من يمتلك زمام الأمور، وللظلم جذور نفسية تنبع من حب الذات، فمن أصعب الأمور على الإنسان أن يتهم نفسه ويحاسبها، ومن أسهل الأمور أيضاً أن يتهم الآخرين ويطعن في تصرفاتهم وسلوكهم، قال أمير المؤمنين (ع) في صفات الشيعة: (أنفسهم منهم في عناء، والناس منهم في راحة) . (1) وكان الأئمة والعظماء كثيراً ما يحاربون أنفسهم ففي الحديث: (عن الفضل بن أبي قرة [ مرة ] قال رأيت أبا عبد الله (عليهالسلام) يطوف من أول الليل إلى الصباح و هو يقول : "اللهم قني شُحَّ نفسي" ، فقلت جُعلتُ فداك ما سمعتك تدعو بغير هذا الدعاء ، قال و أي شيء أشد من شح النفس، إن الله يقول : (و من يُوقَ شحَّ نفسِهِ فأولئك هم المفلحون)) .(2) وفي مطلع سورة المطففين ما يعالج هذا الموضوع، قال تعالى : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)) فهؤلاء عندما يشترون بضاعة ً يحرصون على أن يطمئنون على أخذ حقهم كاملاً، أما عندما يبيعون فلا يعطون المشتري حقه كاملاً بل ينقصونه حقه، وصفة حب النفس صفة قبيحة منتشرة بين الناس إلا من رحم الله، وهي التي تحث الإنسان على ظلم الآخرين، قال تعالى في سورة الشعراء : (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ (184) ) وفي كلتا السورتين المطففين والشعراء نرى أن الله يعقـِّب على قضية التطفيف بالتذكير بالله ولقائه والحساب الإلهي والتقوى التي تعني الاجتناب عما يعرض الإنسان إلى عقاب الله، فإذن نستطيع علاج مشكلة الظلم والفساد بالخوف من الله والتفكير في عواقب حب النفس وظلم الآخرين، يقول المثل : ( يرى الشوكة في عين غيره ولا يرى الجذع في عينه) والمصيبة الكبرى إذا سيطر على الاقتصاد من يحمل هذه النفسية، فهو يسرق المليارات وهذه المليارات بمثابة الجذع الذي لا يراه في عينه، بينما إذا سرق غيره درهماً دعا إلى الاقتصاص منه، والدرهم المسروق بمثابة الشوكة في عين غيره، وهنا تأتي مشكلة تطبيق القانون على الضعفاء والفقراء، واستثنائه عن الأغنياء وذوي الوجاهة، إذن من الضروري أن نختار للمناصب الحساسة خصوصاً المناصب التي تخول الإنسان أن يتحكم في مال الأمة إلى من يكون في مستواها فهي تحتاج إلى صفات وردت في سورة يوسف : (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ) فمن الضروري أن نستخلف الإنسان الذي يحمل المؤهلات العلمية المناسبة للوظيفة وكذلك يتسم بالنزاهة والأمانة والإخلاص وأن يكون أهلاً للثقة والمكانة العالية التي لا تباع وتشترى بأي ثمن، وما أحوجنا للحديدة التي أحماها الإمام علي لعقيل لكي تحمينا من الفساد الاقتصادي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) إرشاد القلوب، للحسن الديلمي، الباب السابع والأربعون، ص 284.
(2) تفسير القمي، ج2، ص 372.

Wapher
del.icio.us