بسم الله الرحمن الرحيم
تأملات في دعاء رجب
بقلم / السيد هاشم الموسوي
(خابَ الوافِدُونَ عَلى غَيْرِكَ، وَخَسِرَ المُتَعَرِّضُونَ إِلاّ لَكَ، وَضاعَ المُلِّمُونَ إِلاّ بِكَ، وَاَجْدَبَ الْمُنْتَجِعُونَ إِلاّ مَنِ انْتَجَعَ فَضْلَكَ، بابُكَ مَفْتُوحٌ لِلرّاغِبينَ، وَخَيْرُكَ مَبْذُولٌ لِلطّالِبينَ وَفَضْلُكَ مُباحٌ لِلسّائِلينَ، وَنَيْلُكَ مُتاحٌ للآملين، وَرِزْقُكَ مَبْسُوطٌ لِمَنْ عَصاكَ، وَحِلْمُكَ مُعْتَرِضٌ لِمَنْ ناواكَ، عادَتُكَ الإحسان إلى الْمُسيئينَ، وَسَبيلُكَ الإبقاء عَلَى الْمُعْتَدينَ، ُاَللّـهُمَّ فَاهْدِني هُدَى الْمُهْتَدينَ، وَارْزُقْني اجْتِهادَ الُْمجْتَهِدينَ، وَلا تَجْعَلْني مِنَ الْغافِلينَ الْمُبْعَدينَ، واغْفِرْ لي يَوْمَ الدّينِ .
(خابَ الوافِدُونَ عَلى غَيْرِكَ، وَخَسِرَ المُتَعَرِّضُونَ إِلاّ لَكَ، وَضاعَ المُلِّمُونَ إِلاّ بِكَ، وَاَجْدَبَ الْمُنْتَجِعُونَ إِلاّ مَنِ انْتَجَعَ فَضْلَكَ) وهذه الخيبة والخسران والضياع والإجداب ناتج عن رفض المعطي للسائل، وهذا الرفض ناتج إما عن عجز أو عن بخل أو كره للمعطى إليه، أو غير ذلك من الأسباب، الإنسان المؤمن ينبغي عليه أن يعود نفسه أن لا يطلب إلا من الله تعالى، والله ممتنع عليه البخل والكره وخوف المضرة سبحانه وتعالى عن ذلك، فلنسأل الله لأن السؤال لغير الله مذلة، والاعتزاز بغير الله وهم.
أحد أصحاب معاوية بن أبي سفيان كان يقول لو أنني أطعت الله كما أطعت معاوية بن أبي سفيان لجعلني الله في أعلى عليين وهناك منا من يطع زوجته أو عشيقته أو مسئوله في العمل أو صديقه أو غيرهم من المخلوقات، فينبغي عليه أن يسأل نفسه ماذا كسب من هذه الطاعة، وهل استفاد شيئا، وماذا يملك المطيع له، وهل يضمن استمرار العطاء، وعدم انقلاب المعطي من حال العطاء إلى حال المنع، ومن حال الحب إلى حال البغض، ومن حال الصداقة إلى العداوة، كل هذه الأمور غير مضمونة، فكم سمعنا عن امرأة واجهت أهلها وضحت بكل ما لديها من أجل أن تتزوج بشخص وما إن يمر على زواجهما أياماً معدودة حتى يطلقها، وهناك من ينتحر لأنه لم يوفق لزواج امرأة معينة أو هي تنتحر لأنها لم توفق للزواج منه، ولو وفقا للزواج لكان من الممكن جداً أن يطلقها أو تطلب منه الطلاق، التعلق بالمخلوق وهم والتعلق بالخالق حق، وهذا ما أرادت هذه الفقرة المباركة أن تؤكده، فهل من الممكن أن يرفض الله عبده بسبب سواد وجهه أو فقره أو عدم شهرته أو غير ذلك ، كلا بل (بابُكَ مَفْتُوحٌ لِلرّاغِبينَ، وَخَيْرُكَ مَبْذُولٌ لِلطّالِبينَ وَفَضْلُكَ مُباحٌ لِلسّائِلينَ، وَنَيْلُكَ مُتاحٌ لِلامِلينَ) ومن الطبيعي أن يجزي الله الراغبين والطالبين والسائلين والآملين من عطائه خير الجزاء وهو الكريم العظيم الذي لا تفنى خزائنه، بل إن الله قد فتح أبوابه للعاصين، وقبل السحرة الذين تحدوه عندما تابوا (وَرِزْقُكَ مَبْسُوطٌ لِمَنْ عَصاكَ، وَحِلْمُكَ مُعْتَرِضٌ لِمَنْ ناواكَ، عادَتُكَ الاِْحْسانُ اِلَى الْمُسيئينَ، وَسَبيلُكَ الاِبْقاءُ عَلَى الْمُعْتَدينَ) بعد أن عرفنا أن هذه هي الطريقة التي يعامل الله بها عباده، ما الذي يمنعنا من أن نتوجه إلى ذلك الكريم، الذي سيقبلنا رغم فقرنا وقبح وجوهنا وقلة علمنا، في حين إن المخلوقين يصدون عنا ولكننا نتزلف إليهم بشتى الوسائل.
ومن هنا فإننا نطلب من الله الهداية حتى نحظى بهذه المواهب الإلهية، والهداية هي الخطوة الأولى، ولا نكتفي بها رغم أهميتها، أي إننا ينبغي أن نسعى للتميز، لا أرضى أن أكون مؤمناً عادياً وإنما أحرص على أن أكون مؤمناً مجتهداً، كما أن هناك طالب ناجح وآخر ناجح بتفوق، وهذا الاجتهاد الدائم في استغلال فرصة الحياة الدنيا تحصننا من الوقوع في الغفلة، فالذي يعمل بشكل دائم ومستمر في الطاعة لا يقع في الغفلة لأن الغفلة سببها الفراغ والارتباط بالدنيا، والغفلة بدورها تجعل الإنسان بعيداً عن الله تعالى، وعندما يوفق الإنسان إلى الهداية والاجتهاد في العمل ويبعد عن الغفلة والبعد عن الله، ستكون النتيجة هي الغفران يوم الدين، نسأل الله تعالى أن يرزقنا غفران الذنوب، وأن يجعلنا من المجتهدين في طاعته واجتناب معصيته.