اختيار الصديق
اختيار الصديق
بقلم: السيد هاشم الموسوي
قال تعالى: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (50) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51) يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنْ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) ) الصافات : 50-60.
كنتُ في ليلةٍ من الليالي مارَّاً في زقاق من أزقة المنامة، وعندها رأيتُ زميلاً من زملاءِ الدراسة في الإعدادية، رأيتُه وقد غيَّرت المخدِّراتُ حالَهُ، في أيام الدراسة كان هادئاً طيباً جميلاً محبوباً، وكان معي ولدي السيد منتظر، ذهبتُ وسلمتُ عليه، وقلتُ له هلْ تعرفني؟ فقال: "نعم أنت زميلي في مدرسة أبي بكر الإعدادية" سألني : "هل هذا ولدك؟" فقلتُ: "نعم"، فقال: "الله يخليه ليك، الله يخليه ليك".
انصرفتُ عنه وقلبي يحترق أسىً، فلم يكنْ هذا الشخص مجرماً ولم يكن ذا طينةٍ خبيثة، لقد كان في منتهى الطيبة والأخلاق، فكيف انتهى به المطاف إلى هذا الواقع المأساوي؟ وأنا أستحضر هذا الموقف، بدأت أفكِّر في عدة أمور، فشكرتُ الله تعالى أولاً؛ لأنه أنعم عليَّ ولم يبتلني بهذا البلاء، ثمَّ تمنيتُ لهذا الزميل الطيب خاتمة خير، ثم تفكرتُ في الآيات التي افتتحت بها الموضوع، فقد يمر علينا موقفٌ في الدنيا، نتذكر فيه أيام طفولتنا، ونقول: "نعم هذا كان معي في طفولتي والآن أراه في هذه الحالة" و هذا ما سيحدث لنا أيضاً في آخرتنا، فكما نـُفاجأ في الدنيا بصديق ٍكان في طفولتنا في حالةٍ وإذا به في حالةٍ أخرى بعد سنوات، سنـُفاجأ في الآخرة أيضاً بأشخاص كنـَّا نعتقد أنهم من أهل الجنة وإذا بهم من أهل النار، أو كنا نعتقد أنهم من أهل النار وإذا بهم من أهل الجنة، فأهل النار يتعجبون حينما لا يرون أشخاصاً كانوا يعتقدون أنهم من المفترض أن يكونوا معهم في نار جهنم، قال تعالى : (وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمْ الأَبْصَارُ (63) إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) ) ص : 62- 64 ، فقد نتهمُ شخصاً في الدنيا في دينه، ونتوقع أنه من أهل النار، وتكون عاقبة حياته خيراً ويدخل الجنة، وقد نعتقد أننا من أهل الجنة وتكون عاقبةُ أمرنا – والعياذ بالله – سيئة، فنكون من أصحاب النار، في ذلك اليوم يرتفع أناسٌ وينخفض أناسٌ، قال تعالى عن القيامة : (خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) الواقعة:3 .
الآيات التي افتتحت بها موضوعي من سورة الصافات تتكلم عن أهل الجنة الذين كانوا يتحدثون ويتجاذبون أطراف الحديث، وتذكر أحدهم صديقاً له في دار الدنيا، وكان هذا الصديق منحرفاً في عقيدته، لا يؤمن بيوم المعاد وبعث الموتى من قبورهم، أراد هذا الرجل أن يرى صديقه ومكانه، فاطـَّلع فرآه في سواء الجحيم، وهنا يُقسِمُ هذا الرجلُ أنه لو أطاعه واتبعه لكان معه في سواء الجحيم، وهنا تبرز أهمية اختيار الصديق الصالح، وترك أصدقاء السوء، الذين يوفرون جوَّاً يحثُّ الإنسان على ارتكاب المعاصي، ويبعدونه عن ربه سواءً عن طريق الانـحراف في العقيدة أو الانـحراف في السلوك، اختيار الصديق أمرٌ في غاية الدقة، ولذلك علينا أن نصاحب من تذكرنا بالله رؤيته، أما الذين إذا صاحبتهم جرفك سيلُ ذنوبهم ومعاصيهم، فمصاحبتهم مخاطرة قلَّ من يسلم منها.

Wapher
del.icio.us