(يا يحيى خذ الكتاب بقوَّة)
(يا يحيى خذ الكتاب بقوَّة)
بقلم: السيد ها شم الموسوي
تكوين علاقة مع القرآن
هذه الآية الكريمة التي جعلناها عنواناً لمقالنا هذا يمكن أن نستفيد منها أهمية التعامل بالجد والاجتهاد مع القرآن الكريم، تكوين علاقة جادة مع القرآن الكريم ليست جائزة تخرج بالسحب، وليست أمراً مجانياً على غرار امسح واربح، وإنما هي قضية تحتاج إلى بذل جهود وتخصيص أوقات ورسم خطة والتوفر على الصبر والهمَّة العالية لتكون هذه العلاقة وطيدة وفاعلة ومؤثرة.
أهمية تعلم القرآن
في البداية لا بدَّ للإنسان أن يجعل تعلم قراءة القرآن من أولوياته، فعيب علينا أن يكون على وجه الإرض كتاب إلهي واحد – غير محرف – ولا نستطيع قراءته، هو رسالة الله إلى خلقه، وكم نحب ونحترم ونحتفظ برسالة من حبيب من أحبائنا أو عظيم من عظمائنا، فأي عظمة تضاهي عظمة الله وعلوه وجلاله، فعدم اهتمامنا بتعلم القرآن الكريم ينطلق من الجهل بعظمته والإعراض عن ثوابه، وقد وردت الكثير من الأحاديث التي تحثنا على تعلم القرآن وكذلك أن نجعل تعلم القرآن من أهم ما نتمناه لأبنائنا؛ لأن قابلية الأبناء على التعلم أكبر، وصفحة قلوبهم أصفى، ومما ورد في فضل تعلم القرآن الكريم عن الإمام الصادق (ع):"ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن، أو يكون في تعلمه ".ويرشد هذا الحديث إلى ضرورة أن يكون القرآن الكريم على جدول أعمالنا، بينما يمر على أحدنا اليوم والأسبوع والشهر وأكثر من ذلك وهو لم يفتح صفحة من القرآن الكريم.
ولتعلم القرآن الكريم فوائد كثيرة تكفي أحدها لأن نعطيه كلَّ اهتمامنا ونقبل عليه بكل ما أوتينا من قوة فلنستمع إلى هذا الحديث عن النبي (ص) : "يا معاذ، إن أردت عيش السعداء وميتة الشهداء والنجاة يوم الحشر والأمن يوم الخوف والنور يوم الظلمات والظل يوم الحرور والري يوم العطش والوزن يوم الخفة والهدى يوم الضلالة فادرس القرآن، فإنه ذكر الرحمن وحرز من الشيطان ورجحان في الميزان". كل هذه الميزات يحصل عليها الإنسان ببركة دراسة القرآن الكريم، فلنقرر قراراً بعقد صفقة مع الله بتلاوة القرآن، والعمل به، تصديقاً للصادق الأمين في ما بيَّن من ثوابٍ عظيم، ولنبدأ جميعاً مشوراً مع القرآن مهما كان وقتنا ضيقاً ومهما كانت لدينا صعوبات معيشية، فإدراك عظمة هذا الكتاب لا يدع لأحدنا عذراً في هجرانه والإعراض عنه.
هل الحفظ مهم؟
سؤال يُطرحُ كثيراً وللأسف فإن الإجابة تجعل السائل ينصرف عن الحفظ، فإذا سألنا هذا السؤال: هل الحفظ مهم؟ يأتي الجواب: على عدة أشكال فتارةً يأتي بصيغة: " لا، المهم هو العمل بالقرآن" استناداً على رواية : " أقاموا حروفه وضيعوا حدوده" وتارةً تأتي الإجابة على صيغة أخرى وهي : " الحفظ زين...الحفظ مهم ولكن – وتأتي لكن هنا بقوَّة قادرة على محو ما قبلها- الأهم هو العمل بالقرآن"، ونحن هنا لسنا في مقام نفي أهمية العمل به فهو الغاية العظمى، ولكن الإجابة ينبغي أن تكون بصيغة : " الحفظ مهم جداً وينبغي أن نسعى إليه بكل جهدنا مع ضرورة العمل بما نحفظ" هذه الإجابة الصحيحة التي تزرع فينا أهمية الحفظ الذي ينبغي أن نعتمد عليه في الدفاع عن عقيدتنا بالاستشهاد بنص الآيات لا بمضمونها، لأن الاستشهاد بالنص أقوى وأكثر حجة، وكذلك في أحاديثنا الأخلاقية وغير ذلك، فالحفظ أمر بالغ الأهمية، ومفيد في المواقف العملية حينما يتذكر الحافظ آية تنهاه عن فحشاء أو تأمره بمعروف، ولا تعارض بين أهميته وبين أهمية العمل بالقرآن، إننا لا نطلب أن يكون الحفظ على حساب العمل، وإنما أن يكون الحفظ مقدمة للعمل بالقرآن.
هل أقرأ ما لا أفهم؟
البعض يقول أنا لا أفهم القرآن الكريم، وليس من الصحيح أن أقرأ ما لا أفهم، والبعض يدخل في جدل حول أيهما له الأسبقية هل الحفظ أم التفسير؟، وأتذكر أن بعض الآراء كانت ترفض الحفظ قبل الفهم، حتى لا يكون القارئ ممن يقرأ القرآن والقرآن يلعنه، وأعتقد أن كل شخص له خصوصياته في علاقته بالقرآن، فلا بأس بالحفظ قبل الفهم، ولا بأس بالفهم قبل الحفظ، القبلية هنا لا أهمية لها، وإنما الأهمية والأولوية للبدء في إقامة علاقة مع القرآن، وليختر كل شخص الباب الذي يدخل من خلاله إلى كلام الله، والبعض قد لا يقرأ القرآن لأنه لا يفهمه، والصحيح أن يقرأه – حتى لو لم يكن يفهمه – ولكن يسعى بعد ذلك للفهم التدريجي، فإن القراءة والحفظ تفتح للقارئ أفقاً بعد القراءة في التدبر ومعرفة التفسير والعمل بالآية فيما بعد، وقد تكون فكرة لا تقرأ ما لا تفهم من وساوس الشيطان الذي يريد أن يصرفنا عن قراءة القرآن بشتى الوسائل، وهناك آليات للفهم منها تسجيل رقم الآية التي لم يفهمها في ورقة أو في ملاحظات الهاتف، ثم الرجوع للتفسير أو إلى عالم من علماء التفسير لفهم هذه الآية.
روحانية القراءة
كذلك من الأمور التي ينبغي أن نسعى لها هي أن نعيش روحانية في قراءة القرآن الكريم، وتحصيل حالة من الخشوع يتناسب مع من يخاطبه إله العالمين، فالله تعالى يقول : (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) الحديد:16. ويقول جل جلاله أيضا: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم) الحشر: 21 -22 وقال تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) المائدة: (83) وهذه الحالة حثتنا عليها الاحاديث الشريفة فعن رسول الله (ص): "إني لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن " حالة الخشوع هذه موجبة لأن يشيب الإنسان من هول ما ذكر من أحوال النار وشدة الحساب، وكل ما في الأمر أننا نعيش في غفلة هذه الدنيا بعيدين عن لحظة تقترب منا كل ما مر علينا يوم من الأيام، لحظة لا بد منها، لحظة مصيرية وانعطافة خطيرة في حياتنا، تحدد لنا مصيرنا الأبدي يوم القيامة.
الارتباط الدائم
الارتباط الدائم بالقرآن يتمثل بوجود برنامج يومي وله عدة مظاهر، منها : التلاوة في التعقيب وهناك آيات يستحب قراءتها في التعقيب ولا بأس بقراءتها قبل الدعاء أو بعده، منها سورة الحمد آية الكرسي والآيتين 18 -19 من سورة آل عمران وهي قوله تعالى : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو... إلى قوله فإن الله سريع الحساب)، والآيتين 26،27من سورة آل عمران : (قل اللهم مالك الملك... إلى قوله تعالى بغير حساب) ومن مظاهر الارتباط الدائم كثرة الاستماع لتلاوة القرآن في السيارة وا لبيت، والاحتفاظ بمصحف صغير في الجيب للاستفادة منه في أوقات الانتظار، فقد حفظ أحدهم 13 جزءاً في أوقات الانتظار فقط، والحفظ عملية سهلة نسبياً ولكن المحافظة على الحفظ وصيانته أمر شاق ويحتاج إلى جهد، ويحتاج إلى تعاهد دائم، وأن يبدأ بختمة وينهيها ثم يبدأ بختمة أخرى، وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):" من نسي سورة من القرآن مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة، فإذا رآها قال: من أنت ؟ ما أحسنك ؟ ليتك لي، فتقول: أما تعرفني ؟ أنا سورة كذا وكذا، لو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان" والارتباط الدائم موجب للاستئناس بالقرآن، ولا يمكن أن يستأنس بالقرآن من يجهل قدره، فمن عرف قدره كالإمام زين العابدين (ع) قال : لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشب بعد أن يكون القرآن معي.

Wapher
del.icio.us