الأنانية وآثارها السلبية
في القرآن الكريم
بقلم : السيد هاشم الموسوي
من أبرز العقبات التي تواجه الإنسان في طريقه إلى الله تعالى مشكلة الأنانية والاعتداد بالنفس، فالإنسان الذي لا يلتزم بالتعاليم الدينية ينطلق في تصرفاته وسلوكه العملي من منطلق مصلحته الذاتية، ولا يهمه ما يحل بالآخرين من جراء تصرفاته، وقد توعد الله هؤلاء الناس بالعذاب الشديد في سورة المطففين وفي قصة قارون، وفي قصة فرعون، وفي قصة نمرود، وفي قصة آدم وإبليس.
الأنانية في سورة المطففين
على سبيل المثال نستطيع أن نستشهد في هذا المجال بقضية التطفيف، ففي سورة المطففين يقول الله تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) إِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فهؤلاء المطففون لا يفكرون إلا في أنفسهم، وهم يعيشون حالة الأنانية في أجلى صورها، يهمهم أن يستوفوا حقوقهم كاملة من الناس، ولكن في المقابل يبخسون الناس ويظلمونهم،وإذا لم يعمل الإنسان على تربية نفسه بحيث يفكر في غيره كما يفكر في نفسه، فإن ذلك سينعكس على سلوكه العملي تجاه الناس، وذلك مرتبط بشكل وثيق بعلاقته مع الله تعالى، ولو أن الإنسان أحب لغيره ما يحب لنفسه لاستطاع من خلال هذه القاعدة التي أمرنا بها أهل البيت عليهم السلام أن يحقق الكثير من الإنجازات ويوثق عرى علاقاته مع الآخرين، وذلك يضمن له حب الآخرين له والتفافهم حوله، كما أن هذه القاعدة تضمن التخلص من أكثر الأمراض الأخلاقية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال الشخص الذي لا يحب أن يغتابه أحد، لن يغتاب الآخرين لأنه يحب لغيره ما يحب لنفسه، فاستطاع من خلال هذه القاعدة أن يتخلص من الغيبة، والشخص الذي لا يحب أن يخدع الآخرين أو يغشهم في التجارة، لن يبادر لغش الآخرين وخداعهم انطلاقاً من نفس القاعدة... والأمثلة في ذلك لا تعد ولا تحصى.
الأنانية في قصة قارون
قال تعالى في سورة القصص (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
الآيات المذكورة تفيدنا أن قارون كان غنياً ولديه الكثير من الكنوز والأموال، وكان يعيش حالة من الزهو والسرور المفرط والتعلق بالدنيا والانغماس فيها، ولم يأخذ الآخرة بعين الاعتبار في سلوكه وقراراته، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى الفساد في الأرض، والمشكلة التي عانى منها قارون ومن حذا حذوه هي مشكلة الأنا التي جعلته يقول أن هذه الأموال إنما حصل عليها بجهده الذاتي، وبقدراته العلمية، بعيداً عن اللطف والتوفيق الإلهي، ولو كان يعيش حالة الارتباط بالله تعالى والاعتراف بفضله عليه لما قال ذلك ولما طغى هذا الطغيان، فماذا كانت عاقبة قارون؟ يجيب على هذا السؤال القرآن الكريم: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ) القصص: (81)
الأنانية في قصة فرعون
قال تعالى في سورة النازعات: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25))
وهذا نموذج آخر من الأنانية التي لا تقتصر على حب الذات ونسيان أو تناسي فضل الله على الإنسان، بل تنحط إلى الدرك الأسفل من الأنانية حيث تدعي الربوبية، ونلاحظ هنا اقتران هذه الأنانية بالهلاك (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) وهو الذي قال: «يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري»: القصص: 38، و قوله لموسى: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين»: الشعراء: 29. كل هذا ينطلق من هذا الداء الخبيث وهو داء الأنانية.
الأنانية في قصة إبراهيم ونمرود
يتحول الإنسان إلى وجود كارتوني، ويكون كالطبل صوته عالٍ وبطنه خالٍ ويكرر بين الفينة والأخرى أنا أنا أنا، ولكن عندما يوضع على المحك يتين زيف ادعاءاته وخوائها، قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة:258. وهنا نلاحظ اقتران الأنانية بالكفر وادعاء الإحياء والإماتة وكذلك الحرمان من الهداية بسبب الظلم الناتج عن هذه الأنانية.
الأنا الشيطانية والسجود لآدم
في موضع آخر من القرآن الكريم، تحدثنا هذه الآية عن خطورة الأنانية وما سببته للشيطان الرجيم في عصيان الله تعالى والتمرد على أوامره، قال تعالى في سورة الأعراف : (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)) وهنا أيضاً اقترن العذاب المتمثل في طرد إبليس من الجنة، والأنانية هي أم المعاصي وأول معصية كما يقول السيد الطباطبائي في الميزان : (و قوله: «قال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين» يحكي عما أجاب به لعنه الله، و هو أول معصيته و أول معصية عصي بها الله سبحانه فإن جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنية و منازعة الله سبحانه في كبريائه، و له رداء الكبرياء لا شريك له فيه، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته و يقول: أنا قبال الإنية الإلهية التي عنت له الوجود، و خضعت له الرقاب، و خشعت له الأصوات، و ذل له كل شيء،و لو لم تنجذب نفسه إلى نفسه، و لم يحتبس نظره في مشاهدة إنيته لم يتقيد باستقلال ذاته، و شاهد الإله القيوم فوقه فذلت له إنيته ذلة تنفي عنه كل استقلال و كبرياء فخضع للأمر الإلهي، و طاوعته نفسه في الائتمار و الامتثال، و لم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيرا منه لأنه من النار و هو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة و الكبرياء و منبع كل جمال و جلال).
الأنانية في القضايا الأسرية
قال تعالى في سورة النساء الآية (128): (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )
يقول السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير هذه الآية : (الشح هو البخل، معناه: أن الشح من الغرائز النفسانية التي جبلها الله عليها لتحفظ به منافعها، و تصونها عن الضيعة، فما لكل نفس من الشح هو حاضر عندها، فالمرأة تبخل بما لها من الحقوق في الزوجية كالكسوة و النفقة و الفراش و الوقاع، و الرجل يبخل بالموافقة و الميل إذا أحب المفارقة، و كره المعاشرة، و لا جناح عليهما حينئذ أن يصلحا ما بينهما بإغماض أحدهما أو كليهما عن بعض حقوقه) وهنا نلاحظ أن هذا الشح في عدم الاعتراف بحقوق الآخر منطلق من حب النفس والأنانية التي تساهم في هدم قواعد الأسرة حينما يفكر الرجل بحقوقه وينسى حقوق زوجته، وتفكر الزوجة بمصلحتها وتنسى حقوق زوجها، فتمثل هذه الأنانية عقبة في طريق الإصلاح بين الزوجين، الذي يعني فشله احتمال الطلاق بما يحمل من مآس وآثار سلبية على الأطفال.
الأنانية عقبة في طريق تحقيق العدل
من الطبيعي أن ينطلق الأناني من منطلق مصلحته وهنا يصطدم بظلم الآخرين، ومن الصعب أن يعترف الإنسان بأخطائه، وقد جاء الهدي القرآني ليؤكد على الوقوف مع العدل، وتجاوز حب الذات أو العشيرة أو الطائفة أو القوم، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) النساء:135
ومن آثار الأنانية السلبية هو إتباع الهوى الذي حذرت الآية منه، لأن إتباع الهوى يتوافق مع مصلحة الذات وبالتالي الإعراض عن الحق.
الأنانية وموضوع الاستخلاف
نرى أن القرآن الكريم يربي الإنسان المسلم على أن ما يملك من أموال وأملاك إنما هي من فضل الله وأنه مأمور أن يلتزم بالتعاليم الإلهية في تصرفه في تلك الأموال ففي قوله تعالى : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) الحديد:7
والاستخلاف يعني أن ما نملكه ليس ملكاًً حقيقياً وإنما هو ملك اعتباري،وشتان بين يعيش هذه الحالة وبين من يعيش الحالة القارونية الأنانية التي تنسب كل الإنجازات لذاتها وتنسى فضل الله عليها، ففي هذه الآية تذكير للإنسان بأن ما يملكه هو ملك لله، والله قد استخلفه عليه، يقول السيد الطباطبائي في الميزان : (و التعبير عما بأيديهم من المال بهذا التعبير لبيان الواقع و لترغيبهم في الإنفاق فإنهم إذا أيقنوا أن المال لله و هم مستخلفون عليه وكلاء من ناحيته يتصرفون فيه كما أذن لهم سهل عليهم إنفاقه و لم تتحرج نفوسهم من ذلك) ومن هنا تبرز أهمية الاعتقاد في تغيير السلوك البشري، فإذا كان الاعتقاد يعاني من خلل فإن هذا الخلل ينعكس على السلوك والأخلاق.
التعبير عن الآخرين بالنفس
يعبر القرآن الكريم عن الآخرين بالنفس كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء: (29) ، يقول المفسرون أن معنى لا تقتلوا أنفسكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا، وورد في قوله تعالى : (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) النور:61، قال الطباطبائي في الميزان: ورد في المعاني، بإسناده عن أبي الصباح قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: «فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم» الآية فقال: هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم.
وفي هذا دلالة على تماسك المجتمع الذي أراده الرسول الكريم (ص) كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، يريدنا الإسلام أن نشعر أن ما يصيب الآخرين يصبنا نحن، ويريد الإسلام أن يعيش الإنسان هموم الآخرين ويعمل على رفع الفقر والجهل والضلال الذي يعيشونه، ومهما بلغ الإنسان من درجة، ومهما أوتي من قوة فإنه معرض لنكبات الدهر، فإذا كان ممن لا يعمل على خدمة الآخرين في ضعفهم فعليه أن لا يتوقع خدمة الآخرين له في ضعفه، فقد يعاملونه بالمثل، وهذا يكفي لترك الأنانية، فما بالك إذا أضفنا لها آثارها السلبية في الجانب الروحي والتربوي والأخروي.
وبعد هذه النماذج القرآنية في خطورة موضوع الأنانية نستعرض مثالين من حياة الأنبياء الذين ابتعدوا عن الأنانية واعترفوا بفضل الله ولطفه عليهم:
الاعتراف بفضل الله قصة موسى (ع)
لو وقفنا على ساحل آية أخرى لوجدنا أن سلوك الأنبياء يتجه إلى نكران الذات ونسبة ما يتمكنون إنجازه إلى اللطف الإلهي كما في قول موسى (ع) بعد أن سقى لابنتي شعيب (ع) : (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) القصص: (24)
وهذا المعنى يكون حاضراً دائماً وأبداً في نفوس الأنبياء، وينبغي أن يكون حاضراً في نفوس المؤمنين؛ لأن انقطاع المدد واللطف الإلهي ولو للحظة واحدة أو أقل من ذلك يعنى هلاك الإنسان، ولذلك ورد في الدعاء : ( ربَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا).
الاعتراف بفضل الله في قصة سلميان
كان سليمان في بما أوتي من نعم وقوة شاكراً لنعمة الله ولم يكن متكبراً ولا طاغياً، مع أن كل طواغيت الدنيا لم يحصلوا على معشار ما أوتي من قوة ولكنهم بمجرد حصولهم على القليل ينسون فضل الله عليهم، أما سليمان فكان شعاره ( هذا من فضل ربي)، قال تعالى في قصة الإتيان بعرش بلقيس عن طريق الإعجاز : (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
فالإنسان يعجب من أولئك الذين يبطرون مع بعض القوة التافهة في حين لا يبطر سليمان مع كل هذه القوة الهائلة بل لا تنسيه هذه القوة ذكر ربه في أوج قوته وسلطانه.
إيثار أهل البيت في سورة الدهر
تكلمنا عن قضية تربية التعاليم الإسلامية للمسلم أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يكره لأخيه ما يكره لنفسه، وهناك مرحلة أكثر تقدماً من هذه المرحلة وهي مرحلة الإيثار، وقد ضرب أهل البيت أروع صورها في سورة الدهر حينما تصدقوا على المسكين واليتيم والأسير وفاء للنذر وحرموا أنفسهم، قال تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) ) وكما لاحظنا اقتران الأنانية بالهلاك في قصة فرعون وقارون والمطففين، نلاحظ هنا أن الإيثار يقترن بالبشارة الإلهية بالأمان والرخاء والسرور في يوم القيامة.
إيثار الأنصار في سورة الحشر
قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الحشر: (9) وهنا أيضاً يقترن الإيثار بالفلاح، فالأنصار حتى لو كانوا من الفقراء ( بهم خصاصة) مع ذلك فهم يحاربون أنفسهم وأنانيتهم ويقدمون المهاجرين على مصالحهم الذاتية ( ومن يوق شح نفسه) وهنا أيضاً يقترن الإيثار بالفلاح ( فأولئك هم المفلحون).

Wapher
del.icio.us