حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

الأنانية وآثارها السلبية

abumuntadhar — 06-09-2007 GTM 3 @ 11:43

الأنانية وآثارها السلبية
في القرآن الكريم
بقلم : السيد هاشم الموسوي

من أبرز العقبات التي تواجه الإنسان في طريقه إلى الله تعالى مشكلة الأنانية والاعتداد بالنفس، فالإنسان الذي لا يلتزم بالتعاليم الدينية ينطلق في تصرفاته وسلوكه العملي من منطلق مصلحته الذاتية، ولا يهمه ما يحل بالآخرين من جراء تصرفاته، وقد توعد الله هؤلاء الناس بالعذاب الشديد في سورة المطففين وفي قصة قارون، وفي قصة فرعون، وفي قصة نمرود، وفي قصة آدم وإبليس.
الأنانية في سورة المطففين
على سبيل المثال نستطيع أن نستشهد في هذا المجال بقضية التطفيف، ففي سورة المطففين يقول الله تعالى: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) إِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فهؤلاء المطففون لا يفكرون إلا في أنفسهم، وهم يعيشون حالة الأنانية في أجلى صورها، يهمهم أن يستوفوا حقوقهم كاملة من الناس، ولكن في المقابل يبخسون الناس ويظلمونهم،وإذا لم يعمل الإنسان على تربية نفسه بحيث يفكر في غيره كما يفكر في نفسه، فإن ذلك سينعكس على سلوكه العملي تجاه الناس، وذلك مرتبط بشكل وثيق بعلاقته مع الله تعالى، ولو أن الإنسان أحب لغيره ما يحب لنفسه لاستطاع من خلال هذه القاعدة التي أمرنا بها أهل البيت عليهم السلام أن يحقق الكثير من الإنجازات ويوثق عرى علاقاته مع الآخرين، وذلك يضمن له حب الآخرين له والتفافهم حوله، كما أن هذه القاعدة تضمن التخلص من أكثر الأمراض الأخلاقية والاجتماعية، فعلى سبيل المثال الشخص الذي لا يحب أن يغتابه أحد، لن يغتاب الآخرين لأنه يحب لغيره ما يحب لنفسه، فاستطاع من خلال هذه القاعدة أن يتخلص من الغيبة، والشخص الذي لا يحب أن يخدع الآخرين أو يغشهم في التجارة، لن يبادر لغش الآخرين وخداعهم انطلاقاً من نفس القاعدة... والأمثلة في ذلك لا تعد ولا تحصى.

الأنانية في قصة قارون
قال تعالى في سورة القصص (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
الآيات المذكورة تفيدنا أن قارون كان غنياً ولديه الكثير من الكنوز والأموال، وكان يعيش حالة من الزهو والسرور المفرط والتعلق بالدنيا والانغماس فيها، ولم يأخذ الآخرة بعين الاعتبار في سلوكه وقراراته، وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى الفساد في الأرض، والمشكلة التي عانى منها قارون ومن حذا حذوه هي مشكلة الأنا التي جعلته يقول أن هذه الأموال إنما حصل عليها بجهده الذاتي، وبقدراته العلمية، بعيداً عن اللطف والتوفيق الإلهي، ولو كان يعيش حالة الارتباط بالله تعالى والاعتراف بفضله عليه لما قال ذلك ولما طغى هذا الطغيان، فماذا كانت عاقبة قارون؟ يجيب على هذا السؤال القرآن الكريم: ( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ) القصص: (81)

الأنانية في قصة فرعون

قال تعالى في سورة النازعات: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25))

وهذا نموذج آخر من الأنانية التي لا تقتصر على حب الذات ونسيان أو تناسي فضل الله على الإنسان، بل تنحط إلى الدرك الأسفل من الأنانية حيث تدعي الربوبية، ونلاحظ هنا اقتران هذه الأنانية بالهلاك (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى) وهو الذي قال: «يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري»: القصص: 38، و قوله لموسى: «لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين»: الشعراء: 29. كل هذا ينطلق من هذا الداء الخبيث وهو داء الأنانية.

الأنانية في قصة إبراهيم ونمرود
يتحول الإنسان إلى وجود كارتوني، ويكون كالطبل صوته عالٍ وبطنه خالٍ ويكرر بين الفينة والأخرى أنا أنا أنا، ولكن عندما يوضع على المحك يتين زيف ادعاءاته وخوائها، قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) البقرة:258. وهنا نلاحظ اقتران الأنانية بالكفر وادعاء الإحياء والإماتة وكذلك الحرمان من الهداية بسبب الظلم الناتج عن هذه الأنانية.
الأنا الشيطانية والسجود لآدم
في موضع آخر من القرآن الكريم، تحدثنا هذه الآية عن خطورة الأنانية وما سببته للشيطان الرجيم في عصيان الله تعالى والتمرد على أوامره، قال تعالى في سورة الأعراف : (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)) وهنا أيضاً اقترن العذاب المتمثل في طرد إبليس من الجنة، والأنانية هي أم المعاصي وأول معصية كما يقول السيد الطباطبائي في الميزان : (و قوله: «قال أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين» يحكي عما أجاب به لعنه الله، و هو أول معصيته و أول معصية عصي بها الله سبحانه فإن جميع المعاصي ترجع بحسب التحليل إلى دعوى الإنية و منازعة الله سبحانه في كبريائه، و له رداء الكبرياء لا شريك له فيه، فليس لعبد مخلوق أن يعتمد على ذاته و يقول: أنا قبال الإنية الإلهية التي عنت له الوجود، و خضعت له الرقاب، و خشعت له الأصوات، و ذل له كل شيء،و لو لم تنجذب نفسه إلى نفسه، و لم يحتبس نظره في مشاهدة إنيته لم يتقيد باستقلال ذاته، و شاهد الإله القيوم فوقه فذلت له إنيته ذلة تنفي عنه كل استقلال و كبرياء فخضع للأمر الإلهي، و طاوعته نفسه في الائتمار و الامتثال، و لم تنجذب نفسه إلى ما كان يتراءى من كونه خيرا منه لأنه من النار و هو من الطين بل انجذبت نفسه إلى الأمر الصادر عن مصدر العظمة و الكبرياء و منبع كل جمال و جلال).

الأنانية في القضايا الأسرية

قال تعالى في سورة النساء الآية (128): (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا )

يقول السيد الطباطبائي في الميزان في تفسير هذه الآية : (الشح هو البخل، معناه: أن الشح من الغرائز النفسانية التي جبلها الله عليها لتحفظ به منافعها، و تصونها عن الضيعة، فما لكل نفس من الشح هو حاضر عندها، فالمرأة تبخل بما لها من الحقوق في الزوجية كالكسوة و النفقة و الفراش و الوقاع، و الرجل يبخل بالموافقة و الميل إذا أحب المفارقة، و كره المعاشرة، و لا جناح عليهما حينئذ أن يصلحا ما بينهما بإغماض أحدهما أو كليهما عن بعض حقوقه) وهنا نلاحظ أن هذا الشح في عدم الاعتراف بحقوق الآخر منطلق من حب النفس والأنانية التي تساهم في هدم قواعد الأسرة حينما يفكر الرجل بحقوقه وينسى حقوق زوجته، وتفكر الزوجة بمصلحتها وتنسى حقوق زوجها، فتمثل هذه الأنانية عقبة في طريق الإصلاح بين الزوجين، الذي يعني فشله احتمال الطلاق بما يحمل من مآس وآثار سلبية على الأطفال.

الأنانية عقبة في طريق تحقيق العدل

من الطبيعي أن ينطلق الأناني من منطلق مصلحته وهنا يصطدم بظلم الآخرين، ومن الصعب أن يعترف الإنسان بأخطائه، وقد جاء الهدي القرآني ليؤكد على الوقوف مع العدل، وتجاوز حب الذات أو العشيرة أو الطائفة أو القوم، قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ) النساء:135
ومن آثار الأنانية السلبية هو إتباع الهوى الذي حذرت الآية منه، لأن إتباع الهوى يتوافق مع مصلحة الذات وبالتالي الإعراض عن الحق.

الأنانية وموضوع الاستخلاف
نرى أن القرآن الكريم يربي الإنسان المسلم على أن ما يملك من أموال وأملاك إنما هي من فضل الله وأنه مأمور أن يلتزم بالتعاليم الإلهية في تصرفه في تلك الأموال ففي قوله تعالى : (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ) الحديد:7
والاستخلاف يعني أن ما نملكه ليس ملكاًً حقيقياً وإنما هو ملك اعتباري،وشتان بين يعيش هذه الحالة وبين من يعيش الحالة القارونية الأنانية التي تنسب كل الإنجازات لذاتها وتنسى فضل الله عليها، ففي هذه الآية تذكير للإنسان بأن ما يملكه هو ملك لله، والله قد استخلفه عليه، يقول السيد الطباطبائي في الميزان : (و التعبير عما بأيديهم من المال بهذا التعبير لبيان الواقع و لترغيبهم في الإنفاق فإنهم إذا أيقنوا أن المال لله و هم مستخلفون عليه وكلاء من ناحيته يتصرفون فيه كما أذن لهم سهل عليهم إنفاقه و لم تتحرج نفوسهم من ذلك) ومن هنا تبرز أهمية الاعتقاد في تغيير السلوك البشري، فإذا كان الاعتقاد يعاني من خلل فإن هذا الخلل ينعكس على السلوك والأخلاق.

التعبير عن الآخرين بالنفس
يعبر القرآن الكريم عن الآخرين بالنفس كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) النساء: (29) ، يقول المفسرون أن معنى لا تقتلوا أنفسكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا، وورد في قوله تعالى : (فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون ) النور:61، قال الطباطبائي في الميزان: ورد في المعاني، بإسناده عن أبي الصباح قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: «فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم» الآية فقال: هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ثم يردون عليه فهو سلامكم على أنفسكم.
وفي هذا دلالة على تماسك المجتمع الذي أراده الرسول الكريم (ص) كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، يريدنا الإسلام أن نشعر أن ما يصيب الآخرين يصبنا نحن، ويريد الإسلام أن يعيش الإنسان هموم الآخرين ويعمل على رفع الفقر والجهل والضلال الذي يعيشونه، ومهما بلغ الإنسان من درجة، ومهما أوتي من قوة فإنه معرض لنكبات الدهر، فإذا كان ممن لا يعمل على خدمة الآخرين في ضعفهم فعليه أن لا يتوقع خدمة الآخرين له في ضعفه، فقد يعاملونه بالمثل، وهذا يكفي لترك الأنانية، فما بالك إذا أضفنا لها آثارها السلبية في الجانب الروحي والتربوي والأخروي.
وبعد هذه النماذج القرآنية في خطورة موضوع الأنانية نستعرض مثالين من حياة الأنبياء الذين ابتعدوا عن الأنانية واعترفوا بفضل الله ولطفه عليهم:
الاعتراف بفضل الله قصة موسى (ع)

لو وقفنا على ساحل آية أخرى لوجدنا أن سلوك الأنبياء يتجه إلى نكران الذات ونسبة ما يتمكنون إنجازه إلى اللطف الإلهي كما في قول موسى (ع) بعد أن سقى لابنتي شعيب (ع) : (فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) القصص: (24)
وهذا المعنى يكون حاضراً دائماً وأبداً في نفوس الأنبياء، وينبغي أن يكون حاضراً في نفوس المؤمنين؛ لأن انقطاع المدد واللطف الإلهي ولو للحظة واحدة أو أقل من ذلك يعنى هلاك الإنسان، ولذلك ورد في الدعاء : ( ربَّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا).

الاعتراف بفضل الله في قصة سلميان

كان سليمان في بما أوتي من نعم وقوة شاكراً لنعمة الله ولم يكن متكبراً ولا طاغياً، مع أن كل طواغيت الدنيا لم يحصلوا على معشار ما أوتي من قوة ولكنهم بمجرد حصولهم على القليل ينسون فضل الله عليهم، أما سليمان فكان شعاره ( هذا من فضل ربي)، قال تعالى في قصة الإتيان بعرش بلقيس عن طريق الإعجاز : (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)

فالإنسان يعجب من أولئك الذين يبطرون مع بعض القوة التافهة في حين لا يبطر سليمان مع كل هذه القوة الهائلة بل لا تنسيه هذه القوة ذكر ربه في أوج قوته وسلطانه.

إيثار أهل البيت في سورة الدهر
تكلمنا عن قضية تربية التعاليم الإسلامية للمسلم أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يكره لأخيه ما يكره لنفسه، وهناك مرحلة أكثر تقدماً من هذه المرحلة وهي مرحلة الإيثار، وقد ضرب أهل البيت أروع صورها في سورة الدهر حينما تصدقوا على المسكين واليتيم والأسير وفاء للنذر وحرموا أنفسهم، قال تعالى : (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) ) وكما لاحظنا اقتران الأنانية بالهلاك في قصة فرعون وقارون والمطففين، نلاحظ هنا أن الإيثار يقترن بالبشارة الإلهية بالأمان والرخاء والسرور في يوم القيامة.

إيثار الأنصار في سورة الحشر

قال تعالى : (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الحشر: (9) وهنا أيضاً يقترن الإيثار بالفلاح، فالأنصار حتى لو كانوا من الفقراء ( بهم خصاصة) مع ذلك فهم يحاربون أنفسهم وأنانيتهم ويقدمون المهاجرين على مصالحهم الذاتية ( ومن يوق شح نفسه) وهنا أيضاً يقترن الإيثار بالفلاح ( فأولئك هم المفلحون).

لكي لا تذبل ورود القرآن

abumuntadhar — 03-09-2007 GTM 3 @ 07:33

لكي لا تذبل ورود القرآن
بقلم: السيد هاشم الموسوي

الجمعيات والمدارس والمراكز والهيئات القرآنية في البحرين تمارس دوراً كبيراً في نشر الثقافة القرآنية، كذلك انتشرت ظاهرة المسابقات القرآنية المتعددة التي كان لها دوراً كبيراُ في التشجيع على حفظ القرآن وتلاوته والعمل به وإحيائه في المجتمع، وقد أطلقت جمعية الذكر الحكيم مبادرة لتأسيس رابطة للقرآن الكريم تجمع المؤسسات القرآنية لبحث تطوير عملها وأداء دورها بصورة أفضل، والبحث عن سبل التعاون بين المؤسسات القرآنية وإقامة الدورات المتخصصة في الشأن القرآني بالتنسيق بين هذه المؤسسات، ولا زالت الرابطة القرآنية تسير بخطى هادئة إلا أنها تأمل أن تحمل الأيام القادمة أخباراً سارة في توحيد الجهود وتركيز الطاقات في خدمة الشأن القرآني في البحرين، وقد أعدت الرابطة دليلاً يحتوي على العديد من المعلومات حول المؤسسات القرآنية وعناوينها ونبذة مختصرة عن تأسيسها وبعض القائمين عليها، وفي الواقع أن هناك جهوداً كبيرة تبذلها هذه المؤسسات التي تختلف تسميتها، فبعضها يتخذ اسم الجمعية كجمعية الذكر الحكيم التي تنظم المسابقة السنوية المشهورة بمسابقة الذكر الحكيم التي تهتم بتلاوة القرآن وحفظة بالدرجة الأولى كما أنها أضافت التفسير إلى المسابقة منذ ثلاث سنوات، وفي بعض السنوات أضافت مسابقة الخط القرآني والرسم القرآني والأذان والبحث القرآني إلى المسابقة، وقد أقامت بالتعاون مع جمعية العاصمة للثقافة القرآنية " محافل الأنس والتفكر القرآني" في إحدى عشر منطقة في البحرين خلال شهرين، وتتضمن هذه المحافل تلاوات للقراء المعروفين ولقاء مع بعض الحفاظ وكذلك التواشيح ومسابقات وجوائز قرآنية، كما أن الجمعية تشارك في المؤتمرات المحلية والإقليمية للقرآن الكريم، ولها فرع في السنابس وآخر في سترة ينشط في مجال التدريس وكذلك إقامة مسابقة على مستوى القرية باسم مسابقة الغدير وأخرى باسم مسابقة جنة النعيم، أما جمعية النبأ العظيم في بني جمرة فتنشط بالإضافة إلى التدريس في الجانب الإعلامي حيث تصدر جريدة النبأ العظيم ومجلة نون والقلم، وهناك جمعية القرآن الكريم في جدحفص التي تهتم بالتدريس وإقامة الأمسيات القرآنية في جدحفص، وبالنسبة لجمعية التوعية الإسلامية فإن لها مركزاً في مدينة حمد باسم مركز الإمام الهادي للقرآن الكريم، أما جمعية سيد الشهداء الخيرية والثقافية فتنشط في إقامة مسابقة الفرقان التي تعنى بحفظ وتفسير القرآن من خلال سورة معينة في كل عام، ويقدم المتسابقون فيها امتحاناً تحريرياً، ويشارك فيها المتسابقون من مختلف الأعمار ومن الجنسين وقد حددت سورة طه كمنهج للمسابقة في هذا العام، وهناك مراكز متخصصة للنساء مثل مدرسة الإمام الصادق في الدراز ومركز السيدة زينب في بوري ومركز فاطمة الزهراء في سند، وهناك هيئات قرآنية كهيئة الوسيلة في سماهيج وهيئة بصائر الهدى في الدير، ولا يمكن أن نغفل الدور الذي يقوم به مركز البيان في المحرق في إعداد كوادر قرآنية مميزة، وكذلك فرقة الإمام الصادق للتواشيح التي تقدم أعمالا فنية رائعة، كما أن لجمعية البيان ومركز الهادي في مدينة عيسى دوراً مهماً في تلك المنطقة، وهناك مسابقة البحرين الكبرى ومسابقة جلوي بن ضاوي العتيبي التي يشارك فيها متسابقون من أبناء الطائفتين الكريمتين، وهناك مسابقة البحرين الكبرى ومسابقة جلوي بن ضاوي العتيبي التي يشارك فيها متسابقون من أبناء الطائفتين الكريمتين، ولا يسعني أن أذكر كل المراكز ولكن أقول أن المجتمع تقع عليه المسؤولية الكاملة في أن يسقي هذه الورود التي تعبق بذكر الله ولا يتركها تذبل وتموت، نحن جميعاً مسئولون أن نحيي هذه المراكز بأبنائنا وأنفسنا، بأموالنا وطاقاتنا وإبداعاتنا، فهل هناك ما يستحق الاهتمام على وجه الأرض أكثر من كتاب الله العزيز؟

الأقربون أولى بالملفوف

abumuntadhar — 20-07-2007 GTM 3 @ 16:06

الأقربون أولى بالملفوف

لا أقصد بالملفوف هنا ذلك النبات الذي يوضع في السلطة، ولكني أقصد به التستر على الجريمة التي يرتكبها القريب من ذوي النفوذ، فيكون المجرم ملفوفاً وليس مكشوفاً، وهنا يصعب محاسبته ومراقبته.

استمعت إلى أحد الخطباء وهو يتكلم عن " النجاشي" شاعر أمير المؤمنين علي "غ" حينما شرب خمراً في شهر رمضان، قال بعض أصحاب علي (ع) لو تجاوزت عنه وتركته لأنه شاعرك والشاعر كان يمثل وزارة إعلام في ذلك الوقت ونحن محتاجون إليه فاتركه ولا تعرضه للفضيحة، يقول الخطيب: " فأمر الإمام علي (ع) أن يجلد النجاشي مائة جلدة بدلاً من ثمانين جلدة" وحينما سئل عن ذلك قال: " العشرون جلدة الزائدة هي لانتهاكه حرمة الشهر الكريم ولانتسابه لنا" فإذا كان شاعر علي (ع) يشرب الخمر في رمضان فما حال غيره.

هذ1 هو القرب عند علي إذا كان يمثل تشريفاً فهو قبل ذلك يمثل تكليفاً... الذي حدث أن علياً عليه السلام خسر النجاشي، وذهب النجاشي إلى معسكر معاوية، ولكنَّ علياً لم يخسر دينه وآخرته، ولم يلوث نفسه بحاشية لا تخشى الله تعالى.

نقول لذوي النفوذ في كل مكان في هذه الدنيا، هل يعاقب الأقربون إذا ارتكبوا جريمة، أو سرقوا؟ هل يكون هذا الأقرب ملفوفاً ومحصناً عن العقاب، لأنه يحتمي بدروع حصينة لا يمكن للقانون أن يخترقها؟

أقول هذا القول وقد رأيت بأم عيني من يفصل من وظيفته لأنه سرق جهازاً لا تتعدى قيمته 10 دنانير، وأعرف من فصل من وظيفته لأنه أخذ بعض النحاس المرمي في إحدى الشركات ظناً منه أن الشركة قد استغنت عنه وذهب وباعه على متاجر المعادن المستعملة، ثم فصل من وظيفته بتهمة السرقة.

قد يكون ما ارتكبه هذان الرجلان خطأ، ويستحقان العقاب عليه ولكن أيعاقب من يسرق بيضة ولا يعاقب من يسرق جملاً وأكثر من الجمل - وعليك التفسير- ؟ فنرى من يسرقون الشعوب في شرق الأرض وغربها يسرحون ويمرحون، ولا يعاقبون؟ أتدرون لماذا، لأنهم الأقربون، والأقربون أولى بالملفوف.

العلمانيون وتهمة الإقصاء

abumuntadhar — 11-07-2007 GTM 3 @ 17:31

العلمانيون وتهمة الإقصاء

من التهم التي توجه إلى الإسلاميين هي تهمة الإقصاء والإلغاء لمن يختلف معهم، وفي المقابل نرى أن العديد من العلمانيين يحللون لأنفسهم الإقصاء ويحرمونه على غيرهم – وإن كان التحليل والتحريم ليس من اختصاصهم- وإلا فكيف يمكن أن نفهم قول من قال في مسألة اقتطاع 1% " هذه مسألة اقتصادية ولا ينبغي أن نحشر الدين فيها" ولمن قال في قضية تحريم الفساد الذي حدث تحت مظلة (ربيع الثقافة) : " يجب أن لا يخضع الفن للدين" وهكذا كان رأيهم في قضية ( الأحوال الشخصية أو قانون الأسرة) مثل هذه الأطروحات هي عين الإقصاء، فلماذا تحرِّمون الإقصاء على غيركم وتحللونه على أنفسكم؟

القضية الاقتصادية المطروحة تتضمن اقتطاع مبلغ من المال من شخص غير راضٍ عن هذا الاقتطاع،ومن الطبيعي أن يكون للدين وجهة نظره في مثل هذه المسألة لأنها من مسائل المعاملات، والمسائل الفقهية منها ما هو في العبادات كالصلاة والصيام والحج ومنها ما هو في المعاملات كالبيع والشراء وأحكام البنوك وغير ذلك، ومن الواضح أن بعض العلمانيين لا يتقبلون الحكم الشرعي حتى على مستوى المعاملات فضلاً عن كونه ديناً يحكم الحياة بكل تفاصيلها بما في ذلك السياسة والاقتصاد.

التيار الاسلامي يمثل غالبية هذا الشعب بطائفتيه الكريمتين ولا يمكن لأي متحدث أن يحكم بالسجن على أحكام الدين العزيز في سجن المسجد والعبادة فقط.

فإذا كنتم تتحركون على قاعدة قبول الرأي الآخر فهناك رأي آخر يرى أن الدين هو دين حياة دين سياسة ودين اقتصاد ودين فن كما هو دين عبادة ودين عقيدة ودين أخلاق، فلا يصح إلغاء الرأي الآخر.

الطالب المجتهد والطالب الكسول

abumuntadhar — 07-07-2007 GTM 3 @ 13:11

الطالب المجتهد يفكر في الامتحان في أول يوم من أيام الدراسة، بل إنه يطلع على المناهج الدراسية قبل أن يبدأ العام الدراسي ويأخذ في دراستها ومراجعتها،أما الطالب الكسول فإنه حتى في ليلة الإمتحان لا يكلف نفسه عناء المراجعة ...

على المستوى الروحي أيضاً هناك طالب مجتهد وطالب كسول، هناك من لا يفكر في ليلة القدر إلا في ليلة القدر، وهناك من يستعد لليلة القدر مع بداية شهر رمضان المبارك،وهناك من يستعد لشهر رمضان من شهر شعبان وشهر رجب، حيث أراد أهل البيت (ع) أن يكون هذان الشهران المباركان بمثابة تهيئة روحية للإنسان المؤمن بما يحملانه من برامج روحية على صعيد الصوم والأدعية والمستحبات التي تميزهما عن باقي الشهور ولذلك يتهيأ الإنسان المؤمن لشهر رمضان فيهما حتى لا تأتي ليلة القدر وهو غير مهيأ روحياً، ولا أبالغ إذا قلت أن ليلة القدر تستحق الاهتمام بالتهيئة لها قبل عام واحد أي بعد ليلة من انتهائها، لأنها خير من ألف شهر.

هناك من الطلاب من يأتي إلى قاعة الامتحان وهو لا يدري ما هي المادة المطلوبة منه في ذلك اليوم،وكذلك هناك من الطلاب من لا يدري أن عنده امتحان في ذلك اليوم لشدة إهماله، وهنا أيضاً في ليلة القدر هناك من يأتي إلى المسجد ولا يعرف قدر هذه اللية المباركة و هناك من يقول لك في ليلة القدر أنه مشغول ... مشغول بماذا؟ عنده مباراة، وفعلاً قالها لي أحدهم ...

وأجد من اللازم عليَّ وعلى إخواني المؤمنين أن ندعو بهذا الدعاء الوارد عن المعصومين (ع)

اللهم اهدني هدى المهتدين وارزقني اجتهاد المجتهدين ولا تجعلني من الغافلين المبعدين واغفر لي يوم الدين

فلا ينبغي علينا الغفلة عن الله في هذه الأشهر العظيمة التي ينبغي علينا الاستعداد لها من الآن كما ينبغي علينا الاجتهاد في الطاعة كي لا نقع في فخ الغفلة فنبتعد عن الله، ونقترب من الشيطان الرجيم ويكون مقرنا هو الجحيم والعياذ بالله، كما ينبغي علينا جميعاً تقوية روابطنا بأهل البيت في أشهر العبادة التي تزخر بالعديد من مناسبات وفيات ومواليد أهل البيت (ع)
والحمد لله رب العالمين

المستقبل الأخروي للأسرة في دعاء أهل البيت
بقلم: السيد هاشم الموسوي
يقف الابن رافعاً يديه ويخاطب ربه يوم القيامة قائلاً: ( ربِّ انتقم لي من هذا الظالم) والظالم المقصود في قوله هو أبوه، فيقول أبوه: ألم أطعمك أحسن الطعام وأسكنك في أفضل المساكن وألبسك أحسن الثياب ... فيقول الابن: نعم، ولكنك لم ترشدني إلى تعاليم ديني.
الروابط الأسرية في دعاء أهل البيت (ع)
تحظى الروابط الأسرية بعناية كبيرة في دعاء أهل البيت (ع) فهناك دعاء رائع للإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية لوالديه وكذلك دعاء آخر لأولاده، يرسم فيهما الكثير من الآداب والتعاليم الأخلاقية النبيلة، وهذه الروابط لها أبعاد في الدنيا ولها أبعاد في الآخرة.
تحقق الرابطة الأسرية في الدنيا وفي الآخرة
إذا تعرضت الأسرية في الدنيا لنكبات كأن يكون الوالد مهجراً أو نازحا والأولاد في بلد آخر فإن مصير الأسرة يكون مأساويا، ولا يطيق أفراد الأسرة هذا الحال أبدا، ولكن هذا الأمر يهون عندما نفكر في التشتت الأسري الأخروي فإذا كان الوالد وبعض الأولاد في النار والوالدة وبعض الأولاد الآخرين في الجنة فكيف سيكون حال هذه الأسرة، فإذا كان الأب كافرا أو فاسقا فمن الطبيعي أن يكون في النار، وهذا العذاب يشير إليه دعاء كميل : (فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك وجمعت بيني وبين أهل بلائك وفرقت بيني وبين أحبائك وأوليائك) فإذا كان من المهم لم شمل الأسرة على المستوى الدنيوي فالأمر في أقصى غايات الأهمية في لم شمل الأسرة الأخروي بحيث تكون الأسرة جميعها في الجنة ولا يكون بعض أفرادها في النار، فهل من متفكر في مستقبل الأسرة الأخروي.
ضع أسرتك نصب عينك
في الدعاء القرآني : ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) الفرقان: (74) وفي المقابل يحذر الإنسان على نفسه وعلى عائلته، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) التحريم: (6)، ويقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه إذا ذكر الشيطان فاستعاذ منه: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاجْعَلْ آباءَنَا وَاُمَّهَاتِنَا وَأَوْلاَدَنَا وَأَهَالِينَا وَذَوِي أَرْحَامِنَا وَقَرَابَاتِنَا وَجِيْرَانَنَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَـاتِ مِنْهُ فِي حِـرْز حَـارِز، وَحِصْن حَافِظ ، وَكَهْف مَانِع، وَألْبِسْهُمْ مِنْهُ جُنَناً وَاقِيَةً، وَأَعْطِهِمْ عَلَيْهِ أَسْلِحَةً مَاضِيَةً)دعاء يشعر الإنسان بمسئوليته تجاه أهله فمحاربة الشيطان يجب أن تشمل الأسرة بالدرجة الأولى ثم الأجواء المحيطة وهذا الأمر من أهم الأمور التي تحافظ على مستقبل الأسرة الأخروي.
الدين مقدم على الرابطة الأسرية
ومع أهمية الرابطة الأسرية في الدنيا إلا أننا ينبغي أن نجعلها شيئا ثانويا إذا تعلق الأمر بنصرة الدين فينبغي على المجاهدين التضحية بفراق الأهل والأولاد من أجل نصرة دين الله بل يصل الأمر إلى أشد من هذا كما في دعاء زين العابدين في الصلاة على أتباع الرسل ومصديقيهم حيث يقول: (وَفَارَقُوا الازْوَاجَ وَالاوْلادَ فِي إظْهَارِ كَلِمَتِهِ، وَقَاتَلُوا الاباءَ وَ الابناءَ فِي تَثْبِيتِ نبُوَّتِهِ).
النظر بعين عوراء لمستقبل الأسرة
ما نعانيه هو أن الناس ينظرون إلى مستقبل الأسرة من جهة واحدة وهي الجهة الدنيوية أما الجهة الأخروية فإنها مهملة وهذا ما يعالجه الإمام زين العابدين (ع) في دعائه لولده: (وَأَصِحَّ لِي أَبْدَانَهُمْ وَأَدْيَانَهُمْ وَأَخْلاَقَهُمْ ، وَعَافِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي جَوَارِحِهِمْ) فالتفكير في سلامة الدين والأخلاق يجب أن لا يقل عن التفكير في سلامة البدن الطبية، وسلامة الروح يجب أن لا تقل أهمية عن سلامة الجوارح، ويجب أن تتكامل الجوارح مع الجوانح ( القوى الروحية) في ضمان المستقبل الأخروي، ففي دعاء كميل: (قو على خدمتك جوارحي واشدد على العزيمة جوانحي).

الصلاة على محمد وآل محمد

abumuntadhar — 28-06-2007 GTM 3 @ 12:48

الصلاة على محمد وآل محمد
بحث موضوعي في دعاء أهل البيت (ع)
بقلم : السيد هاشم الموسوي

الآثار الإيجابية للصلاة على محمدٍ وآل محمد

ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة: ( وجعل صلواتنا عليكم وما خصَّنا به من وِلايتكم طِيباً لخلقنا، وطهارةً لأنفسنا، وتزكية ً لنا وكفـَّارة ًلذنوبنا) هذه بعض الآثار النفسية الصلاة على محمدٍ وآل محمد، ولذلك ورد الحث على الإكثار منها إلى درجة أنها صارت من أبرز الشعارات التي تنتشر في مجالس محبي محمد وآله وترسخت في نفوسهم، ولا بأس أن أذكر قصةً مناسبة حيث يُروى (أن بعض الشيعة دخلوا في الدين المسيحي بعد أن عُرضت عليهم بعض الإغراءات المادية، ولما ذهبوا الكنيسة انطفئت الكهرباء، وما إن رجعت الكهرباء حتى ضجَّت قاعة الكنيسة بالصلاة على محمدٍ وآل محمد) أنا لا أدري إن كانت هذه القصة واقعية أم من نسج الخيال، ولكن الذي أدريه أن الصلاة على محمد وآل محمد تشد الإنسان إليهم وتربطه عاطفيا ووجدانيا بل عمليا إن اتبعهم واقتدى بهم.
ومن آثار الصلاة على محمد وآله ما ورد عن الإمام السجاد(ع) في وداع شهر رمضان حيث يقول: (. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد نَبِيِّنَا وَآلِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ. وَصَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى َنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ، وَأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، صَلاَةً تَبْلُغُنَا بَرَكَتُهَا، وَيَنَالُنَا نَفْعُهَا، وَيُسْتَجَابُ لَها دُعَاؤُنَا)
إذن من آثار الصلاة على محمد وآله تطييب الخلق، وطهارة النفس، وتزكية الإنسان، وتكفير الذنوب، وبلوغ البركة ونيل النفع واستجابة الدعاء، وقطعا لها آثار أخرى ولكن هذا ما استفدناه من هذين النصيين المباركين.

الصلاة عليهم تقترن بصفاتهم (ع)
الملاحظ في أدعيتهم (ع) أنَّ الصلاة عليهم – بعض الأحيان- تقترن بصفاتهم (ع) وذلك من أجل التعريف بمقامهم السامي ومنزلتهم الرفيعة ففي دعاء شعبان للإمام زين العابدين (ع) : ( اللهم صلِّ على محمد وآل محمد شجرةِ النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومعدن العلم وأهل بيت الوحي، اللهم صلى على محمد وآل محمد الفلك الجارية في اللجج الغامرة يأمن من ركبها ويغرق من تركها المتقدم لهم مارق والمتأخر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق، اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الكهف الحصين وغياث المضطر المستكين وملجأ الهاربين وعصمة المعتصمين) وفي دعاء الصباح لأمير المؤمنين (ع): ( صلِّ اللهمَّ على الدليلِ إليك في الليلِ الأليل، والماسكِ من أسبابكَ بِحبلِ الشرفِ الأطول، والناصعِ الحسبِ في ذروةِ الكاهلِ الأعبل، والثابتِ القدم عَلى زَحَاليفها في الزمنِ الأول، وعلى آله الأخيارِ المُصْطـَفـَين الأبرار) وفي دعاء الإمام زين العابدين (ع) في الصلاة على رسول الله (ص) نلاحظ أن الإمام يفصِّل في وصف النبي (ص) ويبين مقامه وجهاده وتضحياته حيث يقول (ع) : ( اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَ صَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَ مِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ، كَمَا نَصَبَ لاَِمْرِكَ نَفْسَهُ ، وَ عَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ وَ حَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ وَقَطَعَ فِىْ إحْياءِ دِينِـكَ رَحِمَهُ وَاقصَى الادْنَيْنَ عَلَى جُحُـودِهِمْ ، وَقَرَّبَ الاقْصَيْنَ عَلَى اسْتِجَابَتِهِمْ لَكَ وَ والَى فِيكَ الابْعَدِينَ ، وَ عَادى فِيكَ الاقْرَبِينَ، وَأدْأبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعآءِ إلَى مِلَّتِكَ وَ شَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لاَِهْلِ دَعْوَتِكَ، وَهَاجَرَ إلَى بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ ، وَمَوْضِـعِ رِجْلِهِ وَمَسْقَطِ رَأسِهِ وَمَأنَسِ نَفْسِهِ إرَادَةً مِنْهُ لاعْزَازِ دِيْنِكَ ، واسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ ، حَتّى اسْتَتَبَّ لَهُ مَا حَاوَلَ فِي أَعْدَائِكَ ، وَاسْتَتَمَّ لَهُ مَا دَبَّرَ فِي أوْلِيآئِكَ ، فَنَهَدَ إلَيْهِمْ مُسْتَفْتِحاً بِعَوْنِكَ وَمُتَقَوِّياً عَلَى ضَعْفِهِ بِنَصْرِكَ ، فَغَزَاهُمْ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ وَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي بُحْبُوحَةِ قَرَارِهِمْ حَتّى ظَهَر أَمْرُكَ، وَعَلَتْ كَلِمَتُكَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ). فهذه عبارات موجزة ليست مجرد دعاء وإنما هي ثقافة ننهلها من زين العابدين (ع)، هي درس في عظمة سيد الأنبياء (ص)، ودرس في الصمود ومواجهة الأعداء بل مواجهة الأقرباء والصبر على الغربة والبعد عن الوطن في سبيل الله كما فعل رسول الله (ص) ونلاحظ أنَّ الإمام فصَّل في العديد من العبارات حالة بُعدِ النبي عن وطنه (مكة) فقال: (وَهَاجَرَ إلَى بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ ، وَمَوْضِـعِ رِجْلِهِ وَمَسْقَطِ رَأسِهِ وَمَأنَسِ نَفْسِهِ) وكان يستطيع أن يختصر ويقول ( ابتعد عن وطنه) ولكنه يريد أن يبين مدى حب النبي لوطنه (مكة) وارتباطه به وتأثره في البعد عنه وصبره في غربته في سبيل الله، كما يحث الدعاء على الحب في الله والبغض في الله والأخوة في الله والعداء في الله، حتى لو تعارض ذلك مع النسب، فرسول الله (ص) قرب سلمان الفارسي وقال : (سلمان منا أهل البيت) وأما أبو لهب عم النبي (ص) فنزلت فيه سورة كاملة تذمه وتذم زوجته وهي سورة المسد، وكذلك يرشد الدعاء إلى نصر الله للمؤمنين بعد الصبر كما نصر رسوله (ص) على المشركين بعد أن صبر واستعان بالله، فكذلك ينبغي للمؤمنين يصبروا ويستعينوا بالله وأن لا يستعجلوا النصر، هذه بعض الأمور التي نستفيدها من هذه الفقرة المباركة، إذن هذه الفقرة ليست مجرد دعاء فقط ، وليست هي مجرد سرد قصة النبي (ص)، وإنما هناك أمور لا بد للداعي أن يستحضرها حينما يدعو ربه ويستفيد من هذه الثقافة الروحية العميقة التي تتدفق من هذه الكلمات النورانية.
وفي دعاء يوم الجمعة للإمام السجاد(ع) : ( وَأَنَّ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، أَدَّى ما حَمَّلْتَهُ إلَى الْعِبادِ، وَجاهَدَ فِي اللَّهِ عزّوجل حَقَّ الْجِهادِ، وَأَنَّهُ بَشَّرَ بِما هُوَ حَقٌّ مِنَ الثَّوابِ، وَأَنْذَرَ بِما هُوَ صِدْقٌ مِنَ الْعِقابِ(
حب محمد وآله
يقول الإمام السجاد في دعائه في ذكر آل محمد(ص) : ( أللَّهُمَّ يَا مَنْ خَصَّ مُحَمَّداً وآلَهُ بِالْكَرَامَةِ وَحَبَاهُمْ بِاْلرِّسَالَةِ وَخَصَّصَهُمْ بِالْوَسِيلَةِ وَجَعَلَهُمْ وَرَثَةَ الانْبِياءِ وَخَتَمَ بِهِمُ الاوْصِيَاءَ وَالاَئِمَّةَ وَعَلَّمَهُمْ عِلْمَ مَا كَانَ وَمَا بَقِيَ وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ . فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَافْعَـلْ بِنَا مَـا أَنْتَ أَهْلُهُ فِي الدّيْنِ وَالـدُّنْيَـا وَالاخِرَةِ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ) وصف محمد وآله في هذه الفقرة سبق الصلاة عليهم ولكل عبارة من هذه الفقرة مدلولات رائعة، ولكني اخترت قوله (ع): (وَجَعَلَ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ) وأنا أتصور الملايين التي تزحف لتزور الرسول الأعظم أو البقيع أو الأئمة في العراق أو الإمام الرضا في إيران، سبحان الله، ما الذي جعل هذه الملايين تحب آل البيت كل هذا الحب ورائع هذا التعبير (تَهْوِي إلَيْهِمْ) فهو أبلغ من أن يشرحه شارح.
تكرار الصلاة على محمدٍ وآله بعد كل عبارة
من المعروف أن من آداب الدعاء الابتداء بالصلاة على محمد وآله والحمد والثناء على الله، ولكننا نرى أن بعض الأدعية لا تبدأ بالصلاة فقط بل تتخلل الصلاة عباراتها بشكل متكرر وملفت للنظر كما في دعاء الإمام زين العابدين لنفسه وأهل ولايته حيث يقول : ( يامَنْ لاتَنْقَضِي عَجَائِبُ عَظَمَتِهِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاحْجُبْنَا عَنِ الالْحَادِ فِي عَظَمَتِكَ. وَيَا مَنْ لاَ تَنْتَهِي مُدَّةُ مُلْكِهِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِـهِ، وَأَعْتِقْ رِقَابَنَا مِنْ نَقِمَتِك. وَيَا مَنْ لا تَفْنَى خَزَائِنُ رَحْمَتِهِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاجْعَلْ لَنا نَصِيباً فِي رَحْمَتِكَ. وَيَا مَنْ تَنْقَطِعُ دُونَ رُؤْيَتِهِ الابْصَارُ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَدْنِنَا إلَى قُرْبِكَ. وَيَا مَنْ تَصْغُرُ عِنْدَ خَطَرِهِ الاخْطَارُ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَكَرِّمْنَا عَلَيْكَ. وَيَا مَنْ تَظْهَرُ عِنْدَهُ بَوَاطِنُ الاخْبَارِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَالِهِ وَلاَ تَفْضَحْنَا لَدَيْكَ). فأمامنا ست عبارات في هذه الفقرة تتخلل كل فقرة من الفقرات الصلاة على محمد وآله، وهذا التكرار ليس تكراراً اعتباطياً وإنما له دلالات مهمة في أثر الصلاة على محمد وآله في استجابة الدعاء، ونلاحظ في نفس الدعاء بعد العديد من العبارات التي تتخللها الصلاة على محمد وآله يقول الإمام (ع) : (. اللّهُمَّ إنَّما يَكْتَفِي الْمُكْتَفُونَ بِفَضْـل قُوَّتِكَ فَصَلِّ عَلَى محَمَّد وَآلِهِ ، وَاكْفِنَا وَإنَّمَا يُعْطِي الْمُعْطُونَ مِنْ فَضْلِ جِدَتِكَ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَأعْطِنَا ، وَإنمَا يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ بِنُورِ وَجْهِكَ فَصَلِّ عَلَى محمّد وَآلِهِ وَاهْدِنَا) وهو شاهد آخر على ما قلناه، وكذلك في دعاء مكارم الأخلاق للإمام زين العابدين (ع) تكررت عبارة : ( اللهم صل على محمد وآله) تسعة عشر مرَّة.
اقتران الصلاة على النبي بالدعاء له(ص)
يقول الإمام زين العابدين (ع) : (اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ أكْثَرَ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَد مِنْ خَلْقِكَ وَآتِهِ عَنَّا أَفْضَلَ مَا آتَيْتَ أَحَداً مِنْ عِبَادِكَ وَاجْزِهِ عَنَّا أَفْضَلَ وَأكْرَمَ مَا جَزَيْتَ أَحَداً مِنْ أَنْبِيائِـكَ عَنْ امَّتِهِ) وفي دعائه عند ختمه القرآن يقول (ع) : ( أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا بَلَّغَ رِسَالَتَكَ، وَصَدَعَ بِأَمْرِكَ، وَنَصَحَ لِعِبَادِكَ. أللَّهُمَّ اجْعَلْ نَبِيَّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقْرَبَ النِّبِيِّينَ مِنْكَ مَجْلِساً، وَأَمْكَنَهُمْ مِنْكَ شَفَاعَةً، وَأَجَلَّهُمْ عِنْدَكَ قَدْراً، وَأَوْجَهَهُمْ عِنْدَكَ جَاهَاً أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وَشَرِّفْ بُنْيَانَهُ، وَعَظِّمْ بُرْهَانَهُ، وَثَقِّلْ مِيزَانَهُ، وَتَقَبَّلْ شَفَاعَتَهُ وَقَرِّبْ وَسِيلَتَهُ، وَبَيِّضْ وَجْهَهُ، وَأَتِمَّ نُورَهُ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ، وَأَحْيِنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَخُذْ بِنَـا مِنْهَاجَـهُ، وَاسْلُكْ بِنَا سَبِيلَهُ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، وَأَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا بِكَأسِهِ. أللَّهُمَّ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ صَلاةً تُبَلِّغُهُ بِهَا أَفْضَلَ مَا يَأْمُلُ مِنْ خَيْرِكَ وَفَضْلِكَ وَكَرَامَتِكَ إنَّكَ ذُوْ رَحْمَة وَاسِعَة وَفَضْل كَرِيم. أللَّهُمَّ اجْزِهِ بِمَا بَلَّغَ مِنْ رِسَالاتِكَ وَأَدَّى مِنْ آيَاتِكَ وَنَصَحَ لِعِبَادِكَ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ أَفْضَلَ مَا جَزَيْتَ أَحَداً مِنْ مَلائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ وَأَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ الْمُصْطَفَيْنَ. وَالسَّلاَمُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُه).
وهنا الدعوة مباشرة للإقتداء بمحمد (ص) من خلال قوله (ع): (وَأَحْيِنَا عَلَى سُنَّتِهِ، وَتَوَفَّنَا عَلَى مِلَّتِهِ، وَخُذْ بِنَـا مِنْهَاجَـهُ، وَاسْلُكْ بِنَا سَبِيلَهُ، وَاجْعَلْنَا مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ) وإن كانت في الفقرة السابقة التي ذكرناها والتي تبدأ بقوله : (اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ...) لم تكن الدعوة إلى الإقتداء بالنبي مباشرة وإنما تستفاد من خلال عبارات الدعاء والتفكر فيها.
كثرة الصلاة على محمدٍ وآله (ص)
وقد قرأت في دعاء الإمام السجاد (ع) في يوم عرفة عبارات يبذل فيها الإمام (ع) جهده بالعديد من العبارات التي يعبر فيها بالعديد من التعبيرات عن كثرة الصلاة على محمد وآله فأتركك – عزيزي القارئ معه لتعيش هذه الأجواء المفعمة بالصلاة على محمدٍ وآله حيث يقول: (رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد الْمُنْتَجَبِ، الْمُصْطَفَى، الْمُكَرَّمِ، الْمُقَرَّبِ، أَفْضَلَ صَلَوَاتِكَ، وَبارِكْ عَلَيْهِ أَتَمَّ بَرَكاتِكَ، وَتَرَحَّمْ عَلَيْهِ أَمْتَعَ رَحَمَاتِكَ. رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، صَلاَةً زَاكِيَةً، لاَ تَكُونُ صَلاَةٌ أَزْكَى مِنْهَا، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلاَةً نَامِيَةً، لاَ تَكُونُ صَلاةٌ أَنْمَى مِنْهَا، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلاةً رَاضِيَةً، لاَ تَكُونُ صَلاةٌ فَوْقَهَا. رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، صَلاَةً تُرْضِيهِ وَتَزِيدُ عَلَى رِضَاهُ، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلاَةً تُرْضِيكَ وَتَزِيدُ عَلَى رِضَاكَ لَهُ، وَصَلِّ عَلَيْهِ صَلاَةً لاَ تَرْضَى لَهُ إلاَّ بِهَا، وَلاَ تَرى غَيْرَهُ لَهَا أَهْلاً. رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، صَلاَةً تُجَاوِزُ رِضْوَانَكَ، وَيَتَّصِلُ اتِّصَالُهَا بِبَقَآئِكَ، وَلاَ يَنْفَدُ كَمَا لاَ تَنْفَدُ كَلِماتُكَ. رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ صَلاَةً تَنْتَظِمُ صَلَوَاتِ مَلائِكَتِكَ وَأَنْبِيآئِكَ وَرُسُلِكَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ. وَتَشْتَمِلُ عَلَى صَلَوَاتِ عِبَادِكَ مِنْ جِنّكَ وَإنْسِكَ وَأَهْلِ إجَابَتِكَ، وَتَجْتَمِعُ عَلَى صَلاَةِ كُلِّ مَنْ ذَرَأْتَ وَبَرَأْتَ مِنْ أَصْنَافِ خَلْقِكَ. رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وَآلِهِ صَلاَةً تُحِيطُ بِكُلِّ صَلاَة سَالِفَة وَمُسْتَأْنَفَة، وَصَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ صَلاَةً مَرْضِيَّةً لَكَ وَلِمَنْ دُونَكَ، وَتُنْشِئُ مَعَ ذَلِكَ صَلَوَات تُضَاعِفُ مَعَهَا تِلْكَ الصَّلَوَاتِ عِنْدَهَا، وَتَزِيدُهَا عَلَى كُرُورِ الاَيَّامِ زِيَادَةً فِي تَضَاعِيفَ لاَ يَعُدُّهَا غَيْرُكَ. رَبِّ صَلِّ عَلَى أَطَائِبِ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهُمْ لاَِمْرِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ خَزَنَةَ عِلْمِكَ، وَحَفَظَةَ دِيْنِكَ، وَخُلَفَآءَكَ فِي أَرْضِكَ، وَحُجَجَكَ عَلَى عِبَادِكَ، وَطَهَّرْتَهُمْ مِنَ الرِّجْسِ وَالدَّنَسِ تَطْهِيراً بِإرَادَتِكَ، وَجَعَلْتَهُمْ الْوَسِيْلَةَ إلَيْكَ وَالْمَسْلَكَ إلَى جَنَّتِكَ، رَبِّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ صَلاةً تُجْزِلُ لَهُمْ بِهَا مِنْ نِحَلِكَ وَكَرَامَتِكَ، وَتُكْمِلُ لَهُمُ الاَشْيَآءَ مِنْ عَطَاياكَ وَنَوَافِلِكَ، وَتُوَفِّرُ عَلَيْهِمُ الْحَظَّ مِنْ عَوَائِدِكَ وَفَوائِدِكَ. رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ صَلاَةً لاَ أَمَدَ فِي أَوَّلِهَا، وَلاَ غَايَةَ لاَِمَدِهَا، وَلاَ نِهَايَةَ لاِخِرِهَا. رَبِّ صَلِّ عَلَيْهِمْ زِنَةَ عَرْشِكَ وَمَا دُونَهُ، وَمِلءَ سَموَاتِكَ وَمَا فَوْقَهُنَّ، وَعَدَدَ أَرَضِيْكَ، وَمَا تَحْتَهُنَّ، وَمَا بَيْنَهُنَّ، صَلاَةً تُقَرِّبُهُمْ مِنْكَ زُلْفى وَتَكُونُ لَكَ وَلَهُمْ رِضَىً، وَمُتَّصِلَةٌ بِنَظَائِرِهِنَّ أَبَداً).
أما الإمام الحجة في دعاء الإفتتاح فيقول: ( اللهم صلِّ على محمدٍ عبدِكَ ورسولِكَ وأمينِكَ وصفيكَ وخيرتِكَ من خلقِكَ وحافظ سرِّكَ ومبَلِّغ رسالاتِكَ أفضلَ وأحسنَ وأجملَ وأكملَ وأزكى وأنمى وأطيبَ وأطهرَ وأسنى وأكثرَ ما صليتَ وسلمت وباركتَ وترحمتَ وتحنَّنتَ وسلمتَ على أحد من عبادكَ وأنبيائك ورُسُلِك وصفوتِكَ وأهل الكرامةِ عليك من خلقك) فقد كرر (عج) لفظ ( أفعل التفضيل) عشر مرات و لكل كلمة دلالة تختلف عن دلالة الكلمة الأخرى وذلك بأسلوب يرسخ عظمة هذا النبي الكريم في نفس الداعي، ثم يسترسل الإمام (عج) في الصلاة على باقي الأئمة (ع).
اقتران الصلاة بطلب الشفاعة
يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء يوم الخميس: (وَبِمُحَمَّد الْمُصْطَفى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ أَسْتَشْفِعُ لَدَيْكَ) والنبي العظيم الذي يصفه الله تعالى بقوله : (لقدْ جاءَكم رسولٌ من أنفسِكُمْ عزيزٌ عليهِ ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم) التوبة:128، يُسرُّ بدخولنا الجنة، يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي : ( إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك وإن أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيِّك، وأنا أعلمُ أنَّ سرور نبيِّكَ أحبُّ إليك من سرور عدوك).
وفي نهاية المقال
لا تنس عزيزي القارئ الصلاة على محمد وآل محمد، وحسناً فعل أحد أعزائنا حين سمَّى ابنته (صلوات) لأنه كلما نادها صلى على محمد وآله أو صلى الآخرون، أعتقد أنه يمتلك عقلاً تجاريا كبيرا في تجارة الحسنات.

الذكر اللفظي والذكر القلبي والعملي

abumuntadhar — 28-06-2007 GTM 3 @ 12:47

الذكر اللفظي والذكر القلبي والعملي
بحث موضوعي في دعاء أهل البيت
بقلم: سيد هاشم الموسوي
مفهوم الذكر
الذكر على قسمين:
1- ذكر لفظي: وهو أن يذكر الإنسان ربه بلسانه ويسبح ويهلل ويكبر ويستغفر ... الخ
2- ذكر عملي: وهو أن يمتنع الإنسان عن فعل معصية من المعاصي لأنه يخاف الله، حتى ولو لم يذكر الله بلسانه.
قال رسول الله (ص) : ( ليس ذكر الله هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولكن إذا ورد على ما يحرم عليه خاف الله عز وجل عنده وتركه)، وقال الإمام الصادق(ع) : ( من قال لا إله إلا الله مخلصاً دخل الجنة وإخلاصه أن يحجزه قول لا إله إلا الله عما حرم الله).
وذكر الله حسن على كل حال لإطلاق الآية: ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيرا) الأحزاب:14، وأحسن أنواع الذكر ترك المحرمات وفعل الخيرات أي ما اصطلحنا عليه بالذكر العملي.

ذكر الله شرف للذاكرين
في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في خواتم الخير : (يا مَنْ ذِكْرُهُ شَرَفٌ لِلذَّاكِرِينَ وَيَا مَنْ شُكْرُهُ فَوْزٌ لِلشَّاكِرِينَ، وَيَا مَنْ طَاعَتُهُ نَجَاةٌ لِلْمُطِيعِينَ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَاشْغَلْ قُلُوبَنَا بِذِكْرِكَ عَنْ كُلِّ ذِكْر، وَأَلْسِنَتَنَا بِشُكْرِكَ عَنْ كُلِّ شُكْر وَجَوَارِحَنَا بِطَاعَتِكَ عَنْ كُلِّ طَاعَة). وأي شرف أعظم من أن يذكر الإنسان ربه ويجعل من هذا الذكر قنطرة إلى رضاه.

ذكر الله مفزع المضطرين
حينما تضيق الدنيا بالإنسان المؤمن يفزع إلى ربه ذاكرا وداعيا وملتجأً يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه إذا استقال من ذنوبه : ( وَيَا مَنْ إلَى ذِكْرِ إحْسَانِهِ يَفْزَعُ الْمُضْطَرُّونَ) وما قاله الإمام زين العابدين في هذه الفقرة يتوافق مع ما ذكره القرآن الكريم : (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد:(28).

اذكروني أذكركم
أي نعمة أعظم من أن يذكر الإنسان ربه فيذكره ربه قال تعالى: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) البقرة: (152) ، وأي شقاء أكبر من أن ينسى الإنسان ربه فينساه ربه؟ قال تعالى:( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ) الحشر: (19) ، فالذكر الحقيقي يتمثل في سلامة القلب كما يقول الامام زين العابدين (ع) في دعائه لنفسه وأهل ولايته : (وَاجْعَلْ سَلاَمَةَ قُلُوبِنَا فِي ذِكْرِ عَظَمَتِكَ وَفَرَاغَ أبْدَانِنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ وَانْطِلاَقَ أَلْسِنَتِنَا فِي وَصْفِ مِنَّتِكَ) لأن الإنسان لا يمكن أن يقدم على معصية وهو ذاكرٌ لله تعالى، ولو أتينا لفلسفة استحباب البدء بالبسملة عند افتتاح أي عمل لوجدنا أن لهذا مدلوله، فلو فرضنا أن إنساناً يريد أن يسرق، هل يكون من المناسب أن يبدأ بالبسملة في هذه السرقة؟، إن الذي يبدأ بالبسملة في كل أعماله يفترض أن تكون كل أعماله صالحة، وإلا فهو يناقض نفسه لإنه لا يذكر الله ذكراً حقيقياً.

القلب ... هل نجعله عامراً بذكر الله أم مرتعاً للشيطان؟
يحتاج الإنسان إلى جهد وجهاد في عملية السيطرة على القلب وجعلها خالية من وساوس الشيطان والاتجاه به إلى الله، ولذلك يطلب الإمام زين العابدين (ع) أن يستبدل الله آفات القلب بذكر الله وحمده والثناء عليه، يقول (ع) في دعائه في مكارم الأخلاق: (أللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَـدِ ذِكْـراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ، وَمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْش أَوْ هُجْر أَوْ شَتْمِ عِرْض أَوْ شَهَادَةِ بَاطِل أو اغْتِيَابِ مُؤْمِن غَائِبِ أَوْ سَبِّ حَاضِر، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ وَإغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَذَهَاباً فِي تَمْجيدِكَ وَشُكْراً لِنِعْمَتِكَ وَاعْتِرَافاً بِإحْسَانِكَ وَإحْصَاءً لِمِنَنِكَ). والقلب الذي يطلبه الإمام زين العابدين من ربه تعالى له صفات يذكرها في دعائه إذا أحزنه أمر وأهمته الخطايا فيقول (ع): (أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَفَرِّغْ قَلْبِي لِمَحَبَّتِكَ، وَاشْغَلْهُ بِذِكْرِكَ، وَانْعَشْهُ بِخَوْفِكَ، وَبِالْوَجَلِ مِنْكَ، وَقَوِّهِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْكَ، وَأَمِلْهُ إلَى طَاعَتِكَ، وَأَجْرِ بِهِ فِي أَحَبِّ السُّبُلِ إلَيْكَ، وَذَلِّلْهُ بِالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَكَ أَيَّامَ حَيَاتِي كُلِّهَا).

القلب مرآة لذكر اللسان
لا بد أن يكون هناك انسجام بين الباطن والظاهر لكي يؤدي الذكر دوره في قرب الإنسان إلى ربه فالذكر اللساني لا بد أن يتصل اتصالا وثيقا بالذكر القلبي حتى لا يكون الذكر جسدا بلا روح، وهذا ما يؤكد عليه الإمام زين العابدين (ع) في دعائه إذا سأل الله العافية وشكرها، يقول (ع) : (وَأَنْطِقْ بِحَمْدِكَ وَشُكْرِكَ وَذِكْرِكَ وَحُسْنِ الثَّناءِ عَلَيْكَ لِسَانِي، وَاشْرَحْ لِمَرَاشِدِ دِينِكَ قَلْبِي) ويقول الإمام علي في دعاء كميل : (يا إلهي وسيدي وربي أتراك معذبي بنارك بعد توحيدك وبعدما انطوى عليه قلبي من معرفتك، ولهج به لساني من ذكرك، واعتقده ضميري من حبك، وبعد صدق اعترافي خاضعاً لربوبيتك) وهذا نص آخر يشير إلى أن الذكر اللساني ينبغي أن يقترن بمعرفة قلبية وأن هذا الأمر من موجبات النجاة من العذاب الإلهي، وفي دعاء كميل أيضا : (واجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبك متيما).

الذكر حياة للقلب
القلب الذي يذكر الله قلب حي، أما القلب الذي لا يذكر الله فهو كالصحراء الجرداء المقفرة، يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي : (يا مَوْلايَ بِذِكْرِكَ عاشَ قَلْبي وَبِمُناجاتِكَ بَرَّدْتُ اَلَمَ الْخَوْفِ عَنّي)
وفي مناجاة التائبين للإمام زين العابدين (ع) : ( وَأَماتَ قَلْبِي عَظِيمُ جِنايَتِي، فَأَحْيِه بِتَوْبَة مِنْكَ يا أَمَلِي وَبُغْيَتِي، وَيا سُؤْلِي وَمُنْيَتِي)

الحذر من الغفلة
يقول الإمام زين العابدين في دعاء مكارم الأخلاق: ( اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَنَبِّهْنِي لِذِكْرِكَ فِي أَوْقَاتِ الْغَفْلَةِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطَاعَتِـكَ فِي أَيَّامِ الْمُهْلَةِ،وَانْهَجْ لِي إلى مَحَبَّتِكَ سَبيلاً سَهْلَةً أكْمِلْ لِي بِهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالاخِـرَةِ) واللطيف أن الإمام يربط هذا التحذير من الغفلة بقضية محدودية عمر الإنسان فلو استمر الإنسان في غفلته قد تنقضي هذه المهلة ويخسر مستقبله الأخروي، ولذلك فالضمانة الأكيدة التي تضمن للإنسان النجاة من عذاب الله هو الاستمرار على حالة الذكر الحقيقي الذي يربطه بالله تعالى. وفي نص آخر يحذر الإمام الإنسان من الغفلة فيقول في دعائه إذا أحزنه أمر وأهمته الخطايا يقول الإمام زين العابدين (ع) : (أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَلاَ تَجْعَلْنِي نَاسِيَاً لِذِكْرِكَ فِيمَا أَوْلَيْتَنِي، وَلاَ غافِلاً لاحْسَانِكَ فِيمَا أَبْلَيْتَنِي) وفي دعاء الجوشن الكبير:( يا مَنْ لَهُ ذِكْرٌ لا يُنْسى).
الذكر تعزيز للعلاقة مع الله
هناك العديد من الناس ممن يتقربون للملوك وذوي النفوذ والسلطة ظنا منهم أنهم بهذا العمل سيكتسبون المزيد من فرص القوة والسلطان والهيمنة، أما الذين ينظرون بعين الآخرة ولا يقفون عند حدود العلم بظاهر من الحياة الدنيا فإنهم يتقربون إلى الله بذكره فإنه كما ورد في دعاء الجوشن الكبير: (يا اَعَزَّ مَذْكُورٍ ذُكِر) وفيه أيضا: (يا خَيْرَ الذّاكِرينَ) وفيه أيضاً: ( فإن من يطلب العزة ( فإن العزة لله جميعا) والذي يطلب القوة ( فإن القوة لله جميعا) ولذلك فإن الإمام زين العابدين (ع) في دعائه متفرغا إلى الله تعالى يحث على التعلق بالله والاعتقاد بأنه هو مسبب الأسباب وأن ما سوى الله لا يملك من أمره شيئا إلا بإذن الله يقول (ع) : (اللَهُمَّ إنِّي أَخْلَصْتُ بِانْقِطَاعِي إلَيْكَ، وَأَقْبَلْتُ بِكُلِّي عَلَيْـكَ، وَصَـرَفْتُ وَجْهِي عَمَّنْ يَحْتَـاجُ إلَى رِفْدِكَ، وَقَلَبْتُ مَسْأَلَتِي عَمَّنْ لَمْ يَسْتَغْنِ عَنْ فَضْلِكَ، وَرَأَيْتُ أَنَّ طَلَبَ الْمُحْتَاجِ إلَى الْمُحْتَاجِ سَفَهٌ مِنْ رَأيِهِ وَضَلَّةٌ مِنْ عَقْلِهِ، فَكَمْ قَدْ رَأَيْتُ يَـا إلهِيْ مِنْ اُناس طَلَبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِكَ فَذَلُّوا، وَرَامُوا الثَّرْوَةَ مِنْ سِوَاكَ فَافْتَقَرُوا، وَحَاوَلُوا الارْتِفَاعَ فَاتَّضَعُوا، فَصحَّ بِمُعَايَنَةِ أَمْثَالِهِمْ حَازِمٌ وَفَّقَهُ اعْتِبَارُهُ وَأَرْشَدَهُ إلَى طَرِيقِ صَوَابِهِ بِاخْتِبَارِهِ فَأَنْتَ يَا مَوْلايَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُول مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوب إلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي. أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كُلِّ مَدْعُوٍّ بِدَعْوَتِي لاَ يَشْرَكُكَ أَحَدٌ فِي رَجَائِي، وَلاَ يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ فِي دُعَائِي، وَلاَ يَنْظِمُهُ وَإيَّاكَ نِدَائِي، لَكَ يَا إلهِي وَحْدَانِيَّةُ الْعَدَدِ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرَةِ الصَّمَدِ، وَفَضِيلَةُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَدَرَجَةُ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ وَمَنْ سِوَاكَ مَرْحُومٌ فِي عُمْرِهِ، مَغْلُوبٌ عَلَى أَمْرِهِ، مَقْهُورٌ عَلَى شَأنِهِ، مُخْتَلِفُ الْحَالاَتِ، مُتَنَقِّلٌ فِي الصِّفَاتِ. فَتَعَالَيْتَ عَنِ الاشْبَاهِ وَالاضْـدَادِ، وَتَكَبَّـرْتَ عَنِ الامْثَـالِ وَالانْدَادِ، فَسُبْحَانَكَ لاَ إلهَ إلاَّ أَنْت).

عظمة الذكر
ولكي نطلع على عظمة الذكر لله تعالى نقف مع رائعة من روائع الإمام زين العابدين (ع) وهي مناجاة الذاكرين حيث يقول: (إلهِي لَوْلا الْواجِبُ مِنْ قَبُولِ أمْرِكَ لَنَزَّهْتُكَ مِنْ ذِكْرِي إيَّاكَ، عَلى أَنَّ ذِكْرِي لَكَ بِقَدْرِي، لا بِقَدْرِكَ، وَما عَسى أَنْ يَبْلُغَ مِقْدارِي، حَتّى أُجْعَلَ مَحَلاًّ لِتَقْدِيسِكَ) وهذا ما يؤكد أن الذكر شرف للذاكرين، ثم يضيف (ع) : (وَمِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنَا، وَإذْنُكَ لَنا بِدُعآئِكَ، وَتَنْزِيهِكَ وتسبيحك)فرغم كثرة النعم وتنوعها وتعددها اعتبر الإمام زين العابدين (ع) جريان ذكر الله من أعظمها ،وهل يمكن للغافلين أن يدركوا عظمة هذه النعمة التي منَّ الله بها على عباده؟.

اقتران الذكر بالعمل
وللتأكيد على أن الذكر ينبغي أن يقترن بما يناسبه من العمل نجد العديد من النصوص في هذا المجال ففي مناجاة الذاكرين يقول الإمام زين العابدين (ع): (وَآنِسْنا بِالذِّكْرِ الْخَفِيِّ، وَاسْتَعْمِلْنا بِالْعَمَلِ الزَّكِيِّ، وَالسَّعْي الْمَرْضِيِّ) وفي دعاء الجوشن الكبير : (يا اَنيسَ الذّاكِرينَ) فالذكر أنس والبعد عنه وحشة وهذا الأنس يكون مع الإنسان المؤمن حتى في أشد الظروف وأقساها ولذلك قال الإمام موسى الكاظم (ع) وهو في السجن بما مضمونه : ( الحمد لله الذي فرغني لعبادته) ولا تخفى شدة الظروف وقساوتها في سجنه (ع) والتي نقرأ بعض الصور منها في زيارته، وفي دعاء الجوشن الكبير : (يا مَنْ ذِكْرُهُ حُلْوٌ) وفي دعاء كميل : ( اللهم اجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة وأعمالي عندك مقبولة) وهذا نص آخر يؤكد على أهمية اقتران الذكر بالعمل، والمتأمل في كلمة معمورة يستفيد بأن الحياة إنما تعمر بذكر الله وأن الحياة الخالية من ذكرالله تكون خاوية على عروشها مهما تمتعت بزخارف الدنيا وزينتها.

آثار وتأثير الذكر
وفي هذا النص من دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين (ع) : (اَللّـهُمَّ اشْغَلْنا بِذِكْرِكَ، وَاَعِذْنا مِنْ سَخَطِكَ، وَاَجِرْنا مِنْ عَذابِكَ، وَارْزُقْنا مِنْ مَواهِبِكَ، وَاَنْعِمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلِكَ ) والربط بين هذه العبارات ينتج عنه أن الذكر الحقيقي يؤدي إلى النجاة من السخط الإلهي والإجارة ن العذاب الإلهي وبالتالي فهو سبب من أسباب الحصول على المواهب والنعم الإلهية التي يحرم منها من يبتعد عن الذكر. ومن آثار الذكر في دعاء كميل : (يا من اسمهُ دواء، وذكره شفاء) وأيضاً في دعاء كميل للإمام علي (ع) : (اللهم إني أتقرب إليك بذكرك وأستشفع بك إلى نفسك) فالذكر يقرب الإنسان لله تعالى ويحتاج الانسان إلى جهاد النفس لكي يتمكن من أن يصل إلى درجة الذاكرين ويحظى بالقرب من ربه لا سيما في ظل وجود الكثير من الأمور الدنيوية التي تعيق الانسان عن الذكر، وهذا الذكر أيضاً يشفي الصدور من التعلق بالدنيا (وذكره شفاء) وفي دعاء كميل أيضا نص آخر اقترن فيه الذكر بالقرب يقول (ع) : (وأسألك بجودك أن تدنيني من قربك وأن توزعني شكرك وأن تلهمني ذكرك).

الذكر عند البلاء
الانسان المؤمن ينبغي عليه أن يذكر الله عند الابتلاءات التي يراها في هذه الدنيا، ويسأل الله الصبر على ما هو عليه كما ينبغي أن يشكر الله على ما كفاه من هذه الابتلاءات التي ابتلى بها غيره، وقد تكررت هذه العبارة في دعاء الجوشن الصغير : (فَلا اِلـهَ إلاّ اَنْتَ سُبْحانَكَ مِنْ مُقْتَدِر لا يُغْلَبُ وَذى اَناة لا يَعْجَلُ صَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد واْجعَلْني لَكَ مِنَ الْعابِدينَ ولِنَعْمائِكَ مِنَ الشّاكِرينَ وَلالائِكَ مِنَ الذّكِرينَ وَارْحَمْني بِرَحْمَتِكَ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ).

الدنيا

abumuntadhar — 28-06-2007 GTM 3 @ 12:45

الدنيا
بحث موضوعي في دعاء أهل البيت
بقلم: سيد هاشم الموسوي

الدنيا والزهد
قال الإمام زين العابدين (ع) في وصف الدنيا في مناجاة الزاهدين: (إلهِي أَسْكَنْتَنا داراً حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها وَعَلَّقَتْنا بِأَيْدِي الْمَنايا فِي حَبائِلِ غَدْرِها، فَإلَيْكَ نَلْتَجِئُ مِنْ مَكآئِدِ خُدَعِها، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الاغْتِرارِ بِزَخارِفِ زِيْنَتِهَا، فَإنَّهَا الْمُهْلِكَةُ طُلاَّبَهَا، المتلفةُ حُلَّالها، المحشوةُ بالآفات، المشحونة ُ بالنكبات،إلهِي فَزَهِّدْنا فِيها، وَسَلِّمْنا مِنْها بِتَوْفِيقِكَ وَعِصْمَتِكَ...)
في هذا النص العديد من صفات الدنيا وفيه تحذيرٌ منها فتعبيره (ع) : (حَفَرَتْ لَنا حُفَرَ مَكْرِها ) فيه إشارة إلى أن الذي لا يكون حذرا منها طوال الطريق قد يقع في حفرها الخطيرة، وفي هذه العبارة تحذير من الغفلة التي تحمل من الخطورة ما يهدد مصير الإنسان الأخروي والدنيوي، كما أن لفظ الحفرة ينطوي بالإضافة إلى الخطورة على الخفاء، فالإنسان الذي لا يمتلك من البصيرة الكافية لمواجهة خدع الدنيا قد يقع في تلك الحفر لأن هذه الحفر تكون عادة مخفية ولا يعرفها إلا الخبير، إذن النص المبارك يدعو الإنسان إلى أن يكون ذا بصيرة نافذة حتى يستطيع أن بواجه خدع الدنيا بكل اقتدار وتمكّن خصوصا وأن الدنيا مكَّارة، والمكَّار لديه من الخطط والأساليب ما يستطيع به أن يحقق أهدافه فلذلك على الإنسان المؤمن أن يقوِّي دفاعاته في مواجهة خدع الدنيا حتى لا تستطيع اختراق صفوفه الدفاعية التي بها يحفظ شخصيَّته الإيمانية، وفي دعاء كميل : ( وخدعتني الدنيا بغرورها ونفسي يخيانتها) والإنسان لا يستطيع لوحده أن يواجه إغراء الدنيا لأنه ضعيف ولذلك يلتجئ إلى الله تعالى ولذلك قال (ع): (فَإلَيْكَ نَلْتَجِئُ مِنْ مَكآئِدِ خُدَعِها، وَبِكَ نَعْتَصِمُ مِنَ الاغْتِرارِ بِزَخارِفِ زِيْنَتِهَا) ولذلك كان من دعاء النبي (ص) : ( ربِّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين ٍ أبدا) حيث أن الإنسان يحتاج بصورة متواصلة ومستمرة إلى لطف الله ورعايته، فإذا كان هذا هو حال النبي (ص) فكيف حال أمثالنا، ومن صفات الدنيا أنها : (الْمُهْلِكَةُ طُلاَّبَهَا، المتلفةُ حُلَّالها، المحشوةُ بالآفات، المشحونة ُ بالنكبات) الدنيا تهلك من يطلبها إذن الحل يكمن في قوله (ع) : (فَزَهِّدْنا فِيها) وليس الزهد أن لا تملك شيئا ولكن الزهد أن لا يملكك شيء وبعبارة أخرى الزهد هو كما يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه إذا أحزنه أمر وأهمته الخطايا : (وَاجْعَلْ ثَنائِي عَلَيْكَ وَمَدْحِي إيَّاكَ وَحَمْدِي لَكَ فِي كُلِّ حَالاَتِي حَتَّى لاَ أَفْرَحَ بِمَا آتَيْتَنِي مِنَ الدُّنْيَا، وَلاَ أَحْـزَنَ عَلَى مَا مَنَعْتَنِي فِيهَا) فالزهد هو أن يكون الإنسان المالك لخيرات الدنيا على استعداد للتضحية بما يملك في أي لحظة عندما تكون تلك التضحية في سبيل الله وترضي الله تعالى كما ضحت السيدة خديجة (ع) فخديجة كانت من أغنى الناس في قريش ومع ذلك فهي من أجلى مصاديق الزهد لأنها بذلت أموالها عندما تطلب رضا الله ذلك، إذن الزهد ليس الفقر والإبتعاد عن جمع الأموال وإنما هو أن لا تملك الأموال والزخارف الدنيوية الإنسان كما ملكت قارون فانحرف عن الصراط المستقيم وأهلكته دنياه وهو من أجلى مصاديق من أهلكتهم الدنيا، ومما نستفيده من هذا النص أن الدنيا محشوة بالآفات فليست الدنيا بدار راحة وإنما هي دار تعب ونصب وشقاء ويخطأ من يبحث عن الراحة في الدنيا فهي : (المحشوةُ بالآفات، المشحونة ُ بالنكبات) ولو لم يكن إلا الموت منغصا للذاتها لكفى.

ليكن نظرنا أبعد من الدنيا
اتضح من كلامنا السابق أن أهل البيت (ع) لا يدعون الناس إلى قطع العلاقة مع الدنيا بصورة نهائية ولو كان الأمر كذلك لرفض النبي (ص) أن تكون زوجته غنية وكثيرة الأموال، إذن لا بأس على الإنسان أن يستغني في الدنيا ويتمتع بحلالها، والمطلوب منه هو أن يضع الآخرة نصب عينيه في كل لحظة من لحظاته وكل خطوة من خطواته وهذا ما نستفيده من دعاء النبي (ص) في ليلة النصف من شعبان الوارد في مفاتيح الجنان : ( ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنها و لا مبلغَ علمِنا) إذن الدنيا هم من هموم الإنسان والنبي (ص) لم يقل: (ولا تجعل الدنيا همنا) وإنما قال : (ولا تجعل الدنيا أكبر همِّنها) فالمطلوب أن تكون الدنيا هي الهم الأصغر والهم الذي يتنازل الإنسان عنه عندما يتعارض مع الهم الأكبر وهو هم الآخرة والمصير الأبدي. ومن هنا نلتقي مع بعض النصوص من الأدعية ندعو فيها بخير الدنيا والآخرة كما ورد في دعاء الإمام زين العابدين (ع) في دعاء مكارم الأخلاق: (وَانْهَجْ لِي إلى مَحَبَّتِكَ سَبيلاً سَهْلَةً أكْمِلْ لِي بِهَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالاخِـرَةِ) ولا ننسى الدعاء القرآني : (ربنا آتِنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الاخِرَةِ حَسَنَةً ، وَقِنِا عَذَابَ النَّارِ) البقرة :201، خير الدنيا مطلوب ولكنه غير مقدم إذا تعارض مع خير الآخرة ولذلك يربح من يبيع الدنيا بالآخرة كما يقول الإمام زين العابدين (ع) : في مناجاة العارفين :(وَرَبِحَتْ فِي بَيْعِ الدُّنْيَا بِالاخِرَةِ تِجارَتُهُمْ) وعند ذلك سيكون الله هو دنيا الإنسان وآخرته كما يقول الإمام زين العابدين (ع) : (وَلا تُبْعِدْنِي مِنْكَ يا نَعِيمِي وَجَنَّتِي، وَيا دُنْيايَ وَآخِرَتِي).
بلاء الدنيا قليل.. والمشكلة في خزيها
مهما عظم بلاء الدنيا فهو قليل مقابل بلاء الآخرة ومع ذلك فالإنسان ضعيف أمامه أيضا، يقول الإمام علي (ع) في دعاء كميل: ( يا ربِّ وأنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على أنَّ ذلك بلاءٌ ومكروه،ٌ قليل مكثه، يسيرٌ بقاؤه، قصيرٌ مدته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها وهو بلاء تطول مدته ويدوم بقاؤه ولا يخفف عن أهله ...) فالإمام علي (ع) يعلمنا أن درسا مفاده أنه إذا دار الأمر بين خسران الآخرة وخسران الدنيا فعلينا أن نخسر الدنيا ونربح الآخرة حتى لو كان خسران الدنيا يتبعه بلاء فإن هذا البلاء سينقضي وينتهي ويزول وأن طبيعة عذاب الآخرة أشد وأبقى، ومن تعرض لبلاء الدنيا كما تعرض له سيد الشهداء الحسين (ع) ومع ذلك ومع ذلك فإن هذا البلاء انقضى وإن كان له حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدا، ومصيبات الدنيا تهون عند الإنسان الذي يمتلك اليقين كما يقول الإمام زين العابدين (ع) في مناجاة الراجين : ( وَمِنَ الْيَقِينِ بِما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيَّ مُصِيباتِ الدُّنْيا) ولكن المشكلة في الدنيا هو في خزي الدنيا المقترن بالمعاصي فعندما تكون دنيا الإنسان دنيا السيئات والمعاصي فإنها تكون دار خزي وعار ولذلك نقرأ في التعقيبات العامة الواردة في مفاتيح الجنان : ( وأعوذ بك من خزي الدنيا و عذاب الآخرة).
حب الدنيا
عندما يكون حب الدنيا حاجبا عن رؤية الحقيقة ومبعدا عن الله تعالى فإنه يمثل خطورة كبيرة ومن هنا كان حب الدنيا رأس كل خطيئة، ولذلك يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء أبي حمزة الثمالي: ( سيدي أخرج حبَّ الدنيا من قلبي) وقال (ع) في دعائه في استكشاف الهموم:( وَاقْطَعْ مِنَ الدُّنْيَا حَاجَتِي، وَاجْعَلْ فِيمَا عِنْدَكَ رَغْبَتِي ) وتزيين حب الدنيا للإنسان هو من عمل الشيطان كما يقول الإمام زين العابدين في مناجاة الشاكين: (إلهِي أَشْكُو إلَيْكَ عَدُوّاً يُضِلُّنِي، وَشَيْطانَاً يَغْوِينِي، قَدْ مَلاَ بِالْوَسْواسِ صَدْرِي، وَأَحاطَتْ هَواجِسُهُ بِقَلْبِي يُعاضِدُ لِيَ الْهَوى، وَيُزَيِّنُ لِي حُبَّ الدُّنْيَا، وَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ الطَّاعَة و الزلْفى)لأن بقاء حب الدنيا هذا يشكل عقبة في الطريق إلى الله، وإذا أردنا مثالا لهذه القضية فنستطيع أن نستشهد بكلام الإمام زين العابدين في دعائه لأهل الثغور حيث يقول: (أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَأَنْسِهِمْ عِنْدَ لِقَآئِهِمُ الْعَدُوَّ ذِكْرَ دُنْيَاهُمُ الْخَدَّاعَةِ الْغَرُورِ، وَامْحُ عَنْ قُلُوبِهِمْ خَطَرَاتِ الْمَالِ الْفَتُونِ، وَاجْعَلِ الْجَنَّـةَ نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَلَوِّحْ مِنْهَا لاِبْصَارِهِمْ مَا أَعْدَدْتَ فِيهَا مِنْ مَسَاكِنِ الْخُلْدِ وَمَنَازِلِ الْكَرَامَةِ وَالْحُورِ الْحِسَانِ وَالاَنْهَارِ الْمُـطَّرِدَةِ بِأَنْوَاعِ الاَشْرِبَـةِ ، وَالاَشْجَارِ الْمُتَدَلِّيَةِ بِصُنُوفِ الثَّمَرِ، حَتَّى لاَ يَهُمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالادْبَارِ، وَلا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ عَنْ قِرْنِهِ بِفِرَار) وواضح من هذه الفقرة المباركة أن الدنيا تمثل عقبة خطيرة أمام المجاهدين في سبيل الله حيث تنسيهم نعم الله الأخروية والمتمثلة في الجنان وأن حب الدنيا هو الذي يحث المجاهد على الفرار من جبهة القتال، والمصيبة العظمى عندما يكون هدف المقاتل هو هدف دنيوي بعيد عن رضا الله فنرى أن بعض المقاتلين وإن كانوا يقاتلون في سبيل الله – ظاهراً – إلا أنهم في الحقيقة يقاتلون في سبيل المناصب والغنائم والعياذ بالله.

الدنيا فانية والآخرة باقية
قد يعتقد البعض أن هذا الأمر بديهي ولا يحتاج إلى ذكر ولكني أعتقد أن الإنسان يحتاج إلى التذكير به ولذلك نرى الكثير من نصوص الآيات و الأدعية والأحاديث تشير إليه، يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه في المعونة على قضاء الدَين: (وَمَـا زَوَيْتَ عَنِّي مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ فَاذْخَرْهُ لِيْ فِي خَزَائِنِكَ البَاقِيَةِ) وفي عبارات مؤثرة يصور لنا الإمام زين العابدين (ع) انقطاع الإنسان عن الدنيا فيقول في دعائه في التذلل لله عز وجل: (مَوْلاَيَ وَارْحَمْنِي إذَا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيَا أَثَرِي، وَامَّحى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرِي، وَكُنْتُ فِي الْمَنْسِيِّينَ، كَمَنْ قَدْ نُسِيَ. مَوْلاَيَ وَارْحَمْنِي عِنْدَ تَغَيُّرِ صُورَتِي وَحَالِي إذَا بَلِيَ جِسْمِي، وَتَفَرَّقَتْ أَعْضَائِي، وَتَقَطَّعَتْ أَوْصَالِيْ، يا غَفْلَتِي عَمَّا يُرَادُ بِيَ) وفيه إشارة واضحة للخطر الكبير المترتب على الغفلة عن الآخرة وقال الإمام زين العابدين (ع) في دعائه في الاشتياق إلى مغفرة الله تعالى : ( أللَّهُمَّ وَمَتَى وَقَفْنَا بَيْنَ نَقْصَيْنِ فِي دِين أَوْ دُنْيَا فَأَوْقِعِ النَّقْصَ بِأَسْرَعِهِمَا فَنَاءً ، وَاجْعَلِ التّوْبَةَ فِي أَطْوَلِهِمَا بَقَاءً) وحتى من أحب الدنيا حبا جما هل سيبقى فيهاأم سيرحل رغم أنفه؟ يقول الإمام زين العابدين في دعائه في الإلحاح على الله: (وَلاَ يُعَمَّرُ فِي الدُّنْيَا مَنْ كَرِهَ لِقَآءَكَ).
النظر إلى أصحاب الدنيا
قد نعيش الفقر ونرى الأغنياء وقد نعيش الأمراض ونرى الأصحاء وقد نعيش مغمورين ونرى المشهورين فكيف نتعامل مع هذا الوضع؟ الإمام زين العابدين يجيب على هذا السؤال في دعائه إذا نظر إلى أصحاب الدنيا:
) الْحَمْدُ للهِ رِضىً بِحُكْمِ اللهِ ، شَهِدْتُ أَنَّ اللهَ قَسَمَ مَعَايِشَ عِبَادِهِ بِالْعَدْلِ ، وَأَخَذَ عَلَى جَمِيْعِ خَلْقِهِ بِالْفَضْلِ. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِمَا أَعْطَيْتَهُمْ وَلا تَفْتِنْهُمْ بِمَا مَنَعْتَنِي فَأحْسُدَ خَلْقَكَ، وَأَغْمِطَ حُكْمَكَ. أللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد ، وَآلِـهِ وَطَيِّبْ بِقَضَائِـكَ نَفْسِي وَوَسِّعْ بِمَـواقِعِ حُكْمِكَ صَدْرِي وَهَبْ لِي الثِّقَةَ لاُِقِرَّ مَعَهَا بِأَنَّ قَضَاءَكَ لَمْ يَجْرِ إلاَّ بِالْخِيَرَةِ وَاجْعَلْ شُكْرِي لَكَ عَلَى مَا زَوَيْتَ عَنّي أَوْفَرَ مِنْ شُكْرِي إيَّاكَ عَلَى مَا خَوَّلْتَنِي وَاعْصِمْنِي مِن أنْ أظُنَّ بِذِي عَدْم خَسَاسَةً، أَوْ أَظُنَّ بِصَاحِبِ ثَرْوَة فَضْلاً، فَإنَّ الشَّرِيفَ مَنْ شَرَّفَتْهُ طَاعَتُكَ، وَالْعَزِيزَ مَنْ أَعَزَّتْهُ عِبَادَتُكَ. فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَمَتِّعْنَا بِثَرْوَة لاَ تَنْفَدُ، وَأَيِّدْنَا بِعِزٍّ لاَ يُفْقَدُ وَأَسْرِحْنَا فِيْ مُلْكِ الاَبَدِ إنَّكَ الْوَاحِدُ الاَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ تَلِدْ وَلَمْ تُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَكَ كُفُواً أَحَدٌ( فالإمام يحذرنا من الحسد والطمع ومن يتخلص من هاتين الخصلتين يعيش راحة نفسية عظيمة، كما أن الإمام يعلمنا أن المقياس في تقييم الشخصية ليس هو مستواها المادي أو رصيدها في البنك، وهذا الأمر قد نعرفه ولكننا لا نطبقه والمطلوب هو التطبيق وليس المعرفة فقط، ولا بأس بمراجعة تفسير قوله تعالى : ( ولو لا أن يكون الناس أمةً واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكئون * وزخرفا وإن كلّ ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين) الزخرف : 33-35.

ما يقي الإنسان من الدنيا
القرآن الكريم وهو أول الثقلين اللذين يوصانا بهما نبينا الكريم محمد (ص) يُعتبر التمسك به درع يقي الإنسان من حفر الدنيا ومكائدها، يقول الإمام زين العابدين في دعائه عند ختمه القرآن : (وَلَنَا فِي الدُّنْيا عَنْ سَخَطِكَ وَتَعَدِّي حُدُودِكَ ذَائِداً) إذن التمسك الحقيقي بالقرآن والعمل بما فيه يقي الإنسان من الإنزلاق في حفر الدنيا ومكائدها. ويقي الإنسان من الدنيا أيضا الخوف من الله حيث يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه في الإلحاح على الله: (وَأَنْ تُسَلِّيَ نَفْسِيْ عَنِ الدُّنْيَا بِمَخَافَتِكَ) وعلى الإنسان أن يجعل من الدنيا محطة يتزود بها من التقوى حيث يقول الإمام زين العابدين في دعائه إذا أحزنه أمر وأهمته الخطايا: (وَاجْعَلْ تَقْوَاكَ مِنَ الدُّنْيَا زَادِي) وكذلك أن لا يكون الأمل طويلا في الدنيا كما يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعاء يوم الأربعاء : (أَدْعُوكَ دُعآءَ مَنْ ضَعُفَتْ وَسِيلَتُهُ، وَانْقَطَعَتْ حِيلَتُهُ، وَاقْتَرَبَ أَجَلُهُ، وَتَدانى فِي الدُّنْيا أَمَلُهُ)

البكاء

abumuntadhar — 28-06-2007 GTM 3 @ 12:42

مبررات البكاء في دعاء إبي حمزة

هل البكاء حالة طبيعية أم أنه حالة شاذة؟ وبعبارة أخرى نقول: هل هناك مبررات لحالة البكاء في حياة الإنسان؟ في دعاء أبي حمزة الثمالي للإمام زين العابدين نجد الجواب حيث يعرض العديد من مبررات البكاء فيقول:( وما لي لا أبكي؟ ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تـُخادعني وأيامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة ُالموت، فما لي لا أبكي؟ أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لسؤال منكرٍ ونكيرٍ إياي، أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلا حاملاً ثقلي على ظهري، أنظر مرةً عن يميني وأخرى عن شمالي إذ الخلائق في شأن غير شأني ...) هذه بعض مبررات البكاء، فمن حالته هذه الحالة من ينبغي أن يكون من البكائين وإلا فهو من الغافلين، فالمصير المجهول الذي يواجه الإنسان يهدد مستقبله الأخروي، ومن يضمن حسن خاتمته في الدنيا؟ وقد رأينا من عمالقة التاريخ من تنتهي حياته بسوء الخاتمة، وما دمنا أحياءً فنحن لا ندري إلى أين تعصف بنا رياح الحياة ولا نملك إلا أن ندعو الله تعالى : ( اللهم ثبت قلبي على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني) ونعمل بهذا الدعاء، ومن مبررات البكاء ضعف الإنسان أمام شهواته ونفسه الأمارة بالسوء وانصياعه لها،وعدم معرفته بموعد انتهاء حياته، والعاقل لا يبكي لمصيبةٍ آنية وإنما يبكي لمصائب حتمية ستأتيه ولو بعد حين فلا بد من الإستعداد لها، وهي مصائب الموت وظلمة القبر وضيقه وسؤال منكر ونكير والذنوب التي يحملها الإنسان فوق ظهره وقلة الناصر والمعين في ذلك اليوم...كل هذه الأمور تحث الإنسان على البكاء، والبكاء الحقيقي هو الذي يدفع الإنسان لتطهير نفسه وسلوكه من كل ما يعكر صفو العلاقة مع الله تعالى.

مبررات البكاء في دعاء كميل

وفي دعاء كميل للإمام علي(ع) يتعرض لبعض مبررات البكاء فيقول: ( يا إلهي وسيدي ومولاي، لأي الأمور إليك أشكو ولما منها أضج وأبكي، لأليم العذاب وشدته، أم لطول البلاء ومدته، فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك، وجمعت بيني وبين أهل بلائك، وفرَّقت بيني وبين أحبائك وأوليائك...أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك، فبعزتك يا سيدي ومولاي أقسم صادقاً لئن تركتني ناطقا لأضجنَّ إليك بين أهلها ضجيجَ الآملين ولأصرخنَّ إليك صراخ المستصرخين، ولأبكين عليك بكاء الفاقدين) ومبررات البكاء كما رأيناه في ما سبق من النصوص كلها مبررات أخروية وليس فيها من مبررات البكاء على الدنيا فلا نجد فقرة تتكلم عن البكاء على فقد مالٍ أو امرأة جميلة من نساء الدنيا ولا فقد منصب من المناصب الدنيوية، ونستفيد من هذه الفقرة أن البكاء قد يكون في الدنيا خوفا من عذاب الآخرة وهناك بكاء آخر يبكيه الإنسان في النار من شدة عذابها، وربما أوحت الفقرة أن الذي يبكي على نفسه من عذاب الآخرة في الدنيا قد يجنب نفسه عذاب الله في الآخرة، لأن البكاء من عذاب الله الأخروي في الدنيا يجنب الإنسان المعاصي.

وفي الواقع أن الكلام عن الآخرة وتذكر أهوالها يستدعي البكاء ولذلك يستنكر الله على الذين يضحكون ولا يبكون حينما يذكر لهم يوم القيامة، قال تعالى: ( أزفتْ الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة * أفمن هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون ) النجم: 57-60.

العين الجامدة خلل لا بد من إصلاحه .

يقول الإمام زين العابدين في مناجاة الشاكين : ( إلهي إليك أشكو قلباً قاسياً مع الوسواس متقلباً وبالرين والطبع متلبساً وعيناً عن البكاء من خوفك جامدة وإلى ما يسرها طامحه) وفي كثير من نصوص الأدعية المباركة تقترن الدموع بالقلب، وكأن العيون مرآة للقلب فإذا خشع القلب بكت العين وإذا قسى القلب جمدت العين، يقول الإمام علي عليه السلام: ( ما جفت الدموع إلا لقسوة القلوب وما قست القلوب إلا لكثرة الذنوب)، ميزان الحكمة ج1- حديث رقم 1846. فالإمام زين العابدين يشكو إلى الله من العين الجامدة والقلب القاسي لأن ذلك يعني مقارفة المعاصي من دون أي تأثر نفسي وعدم التراجع والتوبة والإستغراق في الإنحراف، أما البكاء والقلب الرقيق الحي فيدل على أن الإنسان توَّاق للرجوع إلى ربه والتراجع عن ذنبه، ثم يقول الإمام : (وإلى ما يسرها طامحه) فالعين تحتاج إلى عملية سيطرة وتحكم وهي عملية في غاية الصعوبة لا سيما في عصرنا الذي يعج بصور المجون والإغراء إينما ولّى الإنسان وجهه، ولغض البصر ثواب عظيم يضيق عنه المقام هنا، فالإنسان المؤمن لا يترك عينه تنظر ما تشتهي وما يسرها لأنه مسئول عن ما ينظر إليه، فينبغي عليه أن يقود عينه إلى ما يرضي ربه لا أن يجعل عينه تقوده إلى ما يسخط ربه.

اللهم اجعلني من البكائين.

المؤمن يطلب من ربه العديد من الأمور التي تهمه ومنها أن يكون من البكائين، فقد ورد في دعاء الصباح لأمير المؤمنين علي (ع) : ( واغرس اللهم بعظمتك في شِربِ جَناني ينابيع الخشوع وأجرِ اللهمَّ لهيبتك مِن آماقي زفراتِ الدموع) والجَنان – بفتح الجيم – هو القلب، وهذا نص آخر يربط بين خشوع القلب وبكاء العين.

وفي مناجاة المحبين للإمام زين العابدين : ( اللهم اجعلنا ممن دأبُهم الارتياح إليك والحنين، ودهرهم الزفرة والأنين، جباهُهم ساجدةٌ لعظمتك، وعيونـُهم ساهرة ٌ في خدمتك، ودموعُهم سائلة ٌ من خَشيتك، وقلوبُهم متعلقة ٌ بمحبتِك، وأفئدتـُهم منخلعة ٌ من مهابتِك) وهنا أيضا نلاحظ اقتران الدموع بحب القلب وخشيته من الله تعالى، كما نستفيد من هذه الفقرة أن لا يكون البكاء حالة طارئة على حياة الإنسان المؤمن في وقت من الأوقات أو يكون حالة موسمية بل ينبغي أن يلازم البكاء حياة المؤمن بصورة مستمرة وفعالة.
سمعت أحد العلماء يقول : ( إن من لا يبكي فعليه أن يبكي على نفسه لأنه لا يبكي) وهذا القول صحيح، لأن من لا يبكي يعيش خللا في شخصيته وعليه أن يسأل الله أن يصلح هذا الخلل في شخصيته ويجهد نفسه في إصلاحه، ولذا ورد الحث على التباكي يقول الإمام الصادق (ع) : ( إن لم يجئك بكاءٌ فتباكَ، فإن خرج منك مثل رأس الذباب فبخ بخ) ميزان الحكمة ج1، حديث رقم- 1842.

البكاء من صفات المحبين.

البكاء من صفات المحبين لله تعالى حيث يقضون لياليهم بالبكاء شوقا لله وخوفا منه، وهذا ما ورد في دعاء الجوشن الكبير : ( يا حبيب الباكين)، وأن هذا البكاء هو بعين الله كما في الجوشن الكبير: ( يا مَن يرى بكاءَ الخائفين) والمؤمن يبكي حينما يسمع آيات الله، قال تعالى : ( وإذا تُتلى عليهم آياتُ الرحمن ِخرّوا سجَّدا وبكيَّا) مريم:58، والمؤمن يبكي إذا فاتته طاعة من الطاعات كما بكى هؤلاء الصحابة المؤمنون عندما سقط عنهم تكليف الجهاد وأحسوا بمرارة وحزن تعبر عنه الآية الكريمة : ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلتَ لا أجدُ ما أحملكم عليه توَّلوا وأعينهم تفيضُ من الدمعِ حَزَنا ألا يجدوا ما ينفقون) التوبة:92، وهذا دليل على حرص المؤمن على الطاعة وأنه لا يكتفي بسقوط التكليف عنه، لأن هؤلاء الصحابة الكرام سقط عنهم تكليف الجهاد ولكنهم يتحسرون على عدم توفيقهم للجهاد وإن كان غيرهم ربما يفرح بهذه الرخصة وسقوط التكليف عنه لأنه سيبعد عنه شبح الموت كما يظن.

البكاء باب من أبواب المغفرة و الرحمة الإلهية

البكاء من خشية الله يجعل الإنسان متعرضا لرحمة الله كما ورد في دعاء الجوشن الكبير: (يا راحم العَبَرات) وهناك فقرة أخرى تشير أيضا لارتباط البكاء وخشية القلب، كما تشير إلى حقيقة أن البكاء من خشية الله يهيئ الإنسان لنزول الرحمة الإليهة عليه يقول الإمام زين العابدين في دعائة إذا استقال من ذنوبه: ( فصلِّ على محمدٍ وآله وارحمني، وأنت الذي سميتَ نفسكَ بالعفو فاعفو عني، قد ترى يا إلهي فيض دمعي من خيفتك، ووجيب قلبي من خشيتك، وانتفاض جوارحي من هيبتك، كلّ ُ ذلك حياءً مني لسوء عملي،ولذلك خمد صوتي عن الجأرِ إليك، وكـَلََّ لساني عن مناجاتك) وفي نفس الدعاء فقرة أخرى تؤكد هذا الأمر حيث يقول (ع) : ( هل أنت يا إلهي راحمٌ من دعاك فأبلغ في الدعاء؟ أم أنت غافرٌ لمن بكاك فأسرع في البكاء؟ أم أنت متجاوزٌ عمن عفـَّر لك وجهه تذللا؟ أم أنت مغن من شكا إليك فقرَهُ توكلا) ومن الواضح أن هذه الأمور بمثابة الأبواب التي تطلب منها المغفرة والرحمة الإلهية.

وهنا نلتقي مع فقرة أخرى تبين أن البكاء من أبواب الرحمة الإلهية، و تربط بين خشوع القلب ودموع العين، بل وتزيد على ذلك حيث ترسم لنا صورة رائعة للعبد الخاشع أمام ربه حيث يقول الإمام زين العابدين (ع) في دعائه في الإعتراف : ( ... فقام إليك بقلبٍ طاهر نقي، ثم دعاكَ بصوتٍ حائلٍ خفي، قد تطأطأ لك فانحنى، ونكَّس رأسهُ فانثنى، قد أرعشتْ خشيتـُهُ رجليه، وغرَّقتْ دموعُهُ خدَّيه، يدعوك بيا أرحم الراحمين ويا أرحم من انتابه المسترحمون...) وفي دعاء كميل يربط الإمام علي (ع) بين الرحمة والبكاء فيقول: ( ارحم من رأس ماله الرجاء، وسلاحه البكاء)

البكاء مع الاعتراف بالتقصير

المشكلة التي يقع فيها البعض أنه بمجرد أن يوفق لأداء بعض الركعات أو يقوم ببعض الطاعات أو تسيل منه بعض الدموع يعتقد بأنه قد أدى حق الله عليه وأنه وصل إلى مرحلة لا يشعر فيها بالتقصير تجاه ربه والاستغفار من ذنبه، وهذه الفقرة من دعاء الإمام زين العابدين إذا استقال من ذنوبه تعالج هذه المشكلة حيث يقول (ع) : ( يا إلهي لو بكيتُ إليكَ حتى تسقط أشفارُ عيني، وانتحبتُ لك حتى ينقطع صوتي، وقمتُ لكَ حتى تتنشر قدماي، وركعتُ لكَ حتى ينخلع صلبي، وسجدتُ لكَ حتى تتفقأ حدقتاي، وأكلتُ ترابَ الأرضِ طولَ عمري، وشربتُ ماءَ الرمادِ آخردهري،وذكرتُك في خلال ذلك حتى يكلّ لساني، ثم لم أرفعْ طرفي إلى آفاقِ السماءِ استحياءً منك ما استوجبت بذلك محو سيئة واحدةٍ من سيئاتي) فما ذكرناه من أن البكاء باب من أبواب نزول رحمة الله صحيح، ولكنه مقرون بتفضل الله على عبده وهو ما يؤكده الإمام في تكملة الفقرة السابقة:( وإن كنتَ تغفر لي حينَ أستوجبُ مغفرتك، وتعفو عني حين أستحق عفوك فإن ذلك غير واجبٍ لي باستحقاق، ولا أنا أهلٌ له باستيجاب، إذ كان جزائي منك في أول ما عصيتك النار، فإن تعذبني فأنت غيرُ ظالمٍ لي).

البكاء لإظهار المظلومية

والبكاء سلاح مهم استخدمه الإمام زين العابدين (ع) والإئمة المعصومين في إظهار مظلومية الإمام الحسين (ع) وخط أهل البيت (ع) وقد ورد في زيارة الناحية : ( لأندبنك صباحا ومساء، ولأبكين عليك بدل الدموع دما ) وفي دعاء الندبة : ( فعلى الأطائبِ من أهل بيت محمد وعلي صلى الله عليهما وآلهما فليبك الباكون وإياهم فليندب النادبون ولمثلمهم فلتُدرف الدموع ويضج الضاجون ويعج العاجون...) والمتتبع لسيرة الإمام زين العابدين يقرأ فيها أنه ما عرض عليه طعام ولا شراب إلا بلله بالدموع حزنا على الحسين (ع) وأنه كان يستثير عواطف الناس حتى في الأسواق حيث يخاطب الجزارين بأن الكبش لا يذبح حتى يُروى بالماء أما ابن رسول الله فيقتل عطشانا، وللبكاء دور كبير في تغيير النفوس وإصلاحها، ولذلك حث عليه أهل البيت (ع)

البكاء قد يكون وسيلة ًللخبثاء

ومع أن للبكاء فضائله العظيمة ونعوته الكريمة إلا أن البعض يستخدمه لأغراض خبيثة، فقد يتصنع شخص البكاء لكي يقنع فتاةً بأنه يحبها فتقع في فخه ويغويها فتخسر مستقبلها الدنيوي والأخروي، وقد يستخدم البعض البكاء في تغييب الحقائق كما فعل أخوة يوسف عليه السلام كما يحكي القرآن الكريم عنهم : ( وجاءوا أباهم عشاءً يبكون* قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين) يوسف:16-17.