حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني


نظير أم أسير أم أمير؟

abumuntadhar 28-06-2007 GTM 3 @ 11:31

نظير أم أسير أم أمير؟
بقلم: سيد هاشم الموسوي

مما أحفظ من كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله : ( أحسن إلى مَن شئتَ تكن أميره، واستغن ِ عمن شئت تكن نظيره، و احتجْ إلى مَنْ شئتَ تكن أسيره) وهذه الكلمة الرائعة يمكن الاستفادة منها في جوانب عديدة من حياة الإنسان، فهي كلمة تصب في عدة جوانب ويمكن تطبيقها في الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والنفسية والتربوية، أحاول أن أذكر بعض الأمثلة التي تبين بعض ما تفيده هذه الكلمة، ففي الجانب السياسي يكون قولهُ : ( أحسن إلى مَنْ شئت تكن أميره) مفيداً لأولئك الحكام الذين يعتقدون أن أفضل طريقة للحكم هي الحكم بالنار والحديد والقمع والسجون والتعذيب والنفي والتشريد والمطاردة وحرمان الشعب من الوظائف والضغط بشتى الوسائل، إن إحسان الحاكم لشعبه يجعله أمير الشعب حقاً ويجعله يتبوأ موقعاً في قلوبهم من خلال انطباعهم عنه وتجربتهم الطيبة معه، هذا على الصعيد الداخلي ويمكن تطبيق الكلمة على العلاقات الدولية حيث إن إحسان دولة لدولة أخرى وإعانتها لها في الشدائد والمصيبات يترك الأثر نفسه الذي تحدثنا عنه على الصعيد الداخلي للدولة، وهنا يبرز دور الدبلوماسية الخارجية في العلاقات بين الدول.
ومن الناحية الاقتصادية يمكن ترجمة قوله : ( واستغن عمن شئت تكن نظيره ) بما يسمى بالمصطلح الحديث ( سياسة الاكتفاء الذاتي) وتحقيق الاستقلال الاقتصادي حتى لا تقع الدولة تحت الضغوط الاقتصادية وهذا الاكتفاء الذاتي يحتاج طبعاً إلى تنمية ثقافية وتطوير الكادر البشري بالإضافة إلى ضخ رؤوس الأموال في خدمة هذه السياسة وكذلك إلى إرادة صلبه وصبر كبير، وفي زيارتي الأخيرة للجمهورية الإسلامية الإيرانية لفت نظري هذا الجانب فكنت أسكن في شقة تحتوي على السجاد الإيراني والتلفزيون الإيراني والثلاجة الإيرانية والمكيف الإيراني والحمام بلاطه وتجهيزاته إيرانية، فحالة الاستغناء التي يتكلم عنها الإمام ( واستغن عمن شئت) تشير إلى أن الإنسان الفرد وكذلك الدولة تستطيع أن تخطط لنفسها تخطيطا يجعلها في حالة لا تذل نفسها إلى دولة إخرى، ونحن نعرف أن سلاح المقاطعة الاقتصادية هو من أكثر الأسلحة التي تستخدمها الدول في الضغط على دول أخرى، ومن لوازم هذا الاستغناء هو عدم الاستغراق في التنعم والتعود على الرفاهية ورغد العيش ومن هذا المنطلق جاء الحديث الذي يأمرنا بالتعود على الخشونة في الحياة حيث يقول :( إخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ) يعني حتى لو كان الإنسان باستطاعته أن يشبع دائماً عليه أن يعيش في بعض الأوقات حالة الجوع – مثلا- لأن الحياة متقلبة ولكي لا ينصدم بالواقع الجديد يجعل نفسه مهيئة لأي ظرف طارئ ولكي لا يكون ضحية الانهيار في أول أزمة تحل به وهذا من فوائد تشريع الصوم في الشريعة الإسلامية.
ومن الناحية الصحية نستفيد من الكلمة ( واحتج إلى مَنْ شئت تكن أسيره) حيث تشير في ما تشير إليه إلى حالة الإدمان سواءً كان على المخدرات أو شرب الخمر أو حتى التدخين حيث ترى أن ذلك الرجل الضخم، صاحب الشوارب والشخصية الكبيرة الذي ربما يحكم الملايين من الناس تراه في لحظة من لحظات الضعف أمام ورقة ملفوفة وفيها شيءٌُ من التبغ (سيجاره) يقف ضعيفا منهاراً مسلوب الإرادة لا يستطيع أن يقاوم فيمتنع عنها، ولذلك فإني أعتقد أن الإنسان يجب أن لا يدمن أي نوع من أنواع الأكل أو الشرب أو غيرهما بحيث يجعله هذا الإدمان في حالة يكون فيها مسلوب الإرادة .
هذه بعض التطبيقات التي تشير إليها الكلمة كما أنها تحمل الكثير من المعاني التربوية التي تحث الإنسان على الاعتماد على نفسه والحفاظ على كرامته وحفظ ماء وجهه، كما أنها تنظم العلاقات الاجتماعية فتحث الإنسان على الإحسان للآخرين من ناحية وتحثه على الصبر والتعفف عن السؤال وأن يكون عالة على الآخرين لأن كل هذه الأمور هي من علامات ضعف الشخصية، كما أنها تحث الإنسان على تقوية إرادته فعندما يقول : ( استغن عمن شئت تكن نظيره) فلا بد أن هذا الاستغناء سيكلفك مالاً أو راحةَ أو لذة ً أو شهوة ً أو شهرةً أو سمعةً، ولكنك في نهاية المطاف لن تكون (أسيراً) بل ستكون (أميراً) في أفضل الحالات أو ( نظيرا) وهي أقل الحالات المقبولة، أعتقد أن هذه الكلمة ستكون مفيدة لمن وعاها في تحديد موقعه في الحياة وفي تنظيم علاقاته الاجتماعية وخطته الاستهلاكية وأفكاره التربوية.
في النهاية أقول لك عزيزي القارئ حاول أن تحفظ هذه الكلمة وكلما واجهتك مشكلة ضعها نصب عينيك وطبقها على تلك المشكلة وحاول أن تستنتج منها المزيد، وأتمنى لك التوفيق لأن تكون (أميراً ) ولا أرضى لك أن تكون أقل من (نظير) وأعيذ نفسي وإياك أن نكون ( أسارى) وإن كنا كذلك ينبغي علينا من الآن البحث عن الحرية من هذا الأسر والحمد لله رب العالمين.
27 رجب 1425---12/5/2004م

Wapher | del.icio.us

ليس هناك تعليقات »

ترك تعليق


<a href> <em> <blockquote> <strong> <cite> <code> <ul> <li> <dl> <dt> <dd>