التبليغ ...الطموح والعقبات
abumuntadhar 23-10-2008 GTM 3 @ 07:16التبليغ بين الطموح والعقبات
بقلم: السيد هاشم الموسوي
قال تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) الأحزاب: (39) ، وقال تعالى: (قُمْ فَأَنذِرْ) المدَّثر: (2). وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران:(104)
ميدان التبليغ
المسلمون الأوائل مدوا أذرعهم التبليغية في شرق الأرض وغربها، رغم أن المواصلات تقليدية في ذلك الزمان وتقتصر على الحمير والجمال والخيول وبعض السفن، ورغم انعدام أجهزة الاتصال حققوا الكثير من الإنجازات في مجال التبليغ، والآن مع التقدم التكنولوجي وتطور المواصلات فإن المسلمين مطالبون ببذل المزيد من الجهد والجهاد في هذا الميدان، اليوم ينبغي أن نستفيد من كل شخص نستطيع أن نوصل له كلمة ونحن نجلس أمام جهاز الكمبيوتر عبر شبكة الإنترنت، والميدان كل دول العالم بلا استثناء.
ينبغي أن يتحول التبليغ إلى هم
التبليغ ليس حالة ترفية من الكماليات بل هي حالة ضرورية، فلو رأيت شخصاً تزحف النار على بيته وهو لا يدري، كيف ستكون درجة اهتمامك بإبلاغه بهذه النار حتى يطفئها؟ التبليغ ليس أقل من ذلك شأنا، فلا ينبغي أن ننتظر الفرصة حتى تأتي ونستفيد منها في التبليغ، ولا ينبغي علينا أن ننتظر الفرص التي تمرُّ مرَّ السَّحاب، بل ينبغي علينا أن نطير للسحاب من أجل أن نحصل على الفرصة، وينبغي أن يتحول التبليغ إلى هم من أكبر همومنا، همٌ لا يقل عن الحصول على الوظيفة أو السكن أو الراتب وما شابه ذلك.
المثقفون والتبليغ
هناك تقصير كبير في الحوزات العلمية والجامعات في التعريف بالإسلام والانتشار في أقطار الأرض من أجل نشر تعاليم الإسلام، المثقفون لا يبذلون ما يكفي في هذا المجال، وهناك الكثير ممن هم بعيدون عن الإسلام لو عرفوه لدخلوا فيه، ولكن المشكلة تكمن في تقصيرنا في إيصال كلمة الحق، فإذا كان عدد سكان العالم 6 مليارات وكان عدد المسلمين منهم مليار واحد كم تتوقع من الخمسة مليارات سيدخل الإسلام لو اجتهد المسلمون في إيصال الكلمة لهم بكل ما يستطيعون، والإسلام دين الفطرة ولا يجد مشكلة في استقطاب أعداد هائلة من غير المسلمين، والإحصائيات شاهدة على ذلك، ولولا بعض سلوكيات المتطرفين الذين شوهوا صورة الإسلام بالتفجير والتفخيخ والذبح على اسم الله وتحت شعار الله أكبر لكان وضع الإسلام وانتشاره أفضل من الآن بكثير.
المرأة المبلِّغة...أين الميدان؟
ربما تكلمت في مقال سابق عن أهمية دور المرأة في تثقيف المجتمع، الحق أن المرأة في مجتمعنا أكثر تفوقاً من الرجل في المجال العلمي، والحوزات النسائية تخرِّج الكثير من النساء، ولكن للأسف لا يوجد لهذه الأعداد الهائلة برنامجاً يؤهلهن لدخول الساحة التبليغية، لازالت النساء تحضر مجالس الرجال، ولا زال الوائلي رجلاً ولا نرى (وائلية) تقوم بهذا الدور، تدخل المرأة الحوزة وتدرس أربع سنوات ثم تنسحب انسحاباً تكتيكياً إلى المطبخ ليتبخر كل ما درسته في الحوزة العلمية، الحوزة التي توفر برنامجاً تعليمياً للنساء ينبغي أن تفكر أيضاً كيف ستستفيد النساء من هذا البرنامج التعليمي بعد التخرج من خلال وضع خطة عملية تستهدف القدرات والطاقات النسائية ( التي لا تقل عن الرجال) في مجال التأليف والشعر والخطابة والتعليم... الخ.
التبليغ وثقافة الإنفاق
يعاني التبليغ من شحّ ٍ في الإنفاق، وهناك الكثير من مشاريع التبليغ تتوقف وتتعرقل بسبب ضعف الجانب المادي، والمشكلة لا تكمن في عدم الإنفاق فحسب، بل إن المشكلة تتمثل في عدم وجود ثقافة إنفاق صحيحة يدرك من خلالها المنفق أهمية التبليغ، فهناك من يبذل المال في الخير ولكن لا يراعي الأولوية في دعم المشاريع، فنحن في غنىً عن بناء المنارات المزخرفة بآلاف الدنانير ونحن أحوج إلى هذه الآلاف في الشأن التبليغي.
مركز المعرفة نموذجاً
إنه ليحزنني أن أسمع أن مركز المعرفة للجاليات يبقى مدة من الزمن بدون مقر، وهذا دليل على أن المجتمع لا يدرك أهمية التبليغ، وقد مارس هذا المركز المبارك دوراً مشهوداً في التعريف بالإسلام ونشر تعاليمه، وبقاء المركز بدون مقر يمثل حالة من حالات جهل المجتمع بأهمية التبليغ.
دعم المبلِّغين
المبلِّغون فئة تحتاج إلى رعاية ودعم باقي شرائح المجتمع، فلا ينبغي أن نترك المبلِّغ ونقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) المائدة:(24)، نحن نحتاج إلى معهد للخطابة ومراكز بحوث ودراسات، ومتابعة المشتغلين في التبليغ وتلبية كل احتياجاتهم، والتبليغ في مجتمعنا موجود ولكنه إلى الأسلوب الفردي والارتجالي أقرب منه إلى الأسلوب المؤسساتي الذي يسير وفق خطة مدروسة، نحتاج إلى إعداد المبلغين من الصغر وتدريبهم على أساليب التبليغ المختلفة.
أساليب التبليغ
لا بد أن نستفيد من أساليب التبليغ وإيصال الفكرة لم يعد مقتصراً على الخطبة والقصيدة والكتاب والمقال، لا بد من ولوج عالم السينما والمسرح والمسلسلات والأفلام فهي التي تؤثر بصورة كبيرة، ونحن نرى تأثير الأفلام القرآنية كفيلم أهل الكهف أو يوسف الصديق أو مريم العذراء وما شابهها على المجتمع، فالكوادر الإعلامية يجب أن تدخل عالم الاحتراف الفني الذي يخدم القضايا الإسلامية، ففي الوقت الذي تصب فيه الأفلام الغربية كالمطر الغزير على عالمنا الإسلامي لا نجد إلا بعض القطرات المتفرقة هنا وهناك، وهل تصمد قطراتنا أمام السيل الإعلامي الغربي؟.
الانفتاح والأفق الواسع
الانفتاح والأفق الواسع أمر ضروري للمبلغ الذي لا يقف عند حد، فالنبي الأعظم (ص) لم يقف عند حد دعوة قريش بل كتب رسائل الدعوة لأقطاب الحكام في عصره ودعاهم للإسلام، والإمام الخميني لم يكتف بدعوة طلاب العلوم الإسلامية والشعب الإيراني أو الشيعة في العالم بل جعل راسل جورباتشوف حاكم الاتحاد السوفيتي آنذاك ودعاه لنبذ الشيوعية وبيَّن له الأطروحة الإسلامية.
التبليغ... يستهدف من؟
التخصص أمر مطلوب في التبليغ وأتذكر أنني من الصغر كنت أتلقى كتيبات (دار التوحيد) التي تصدر في الكويت والتي يطبع منها 25000 نسخة وتوزع في سبيل الله مجاناً، وتصدر على شكل سلسلة تليها سلسلة أخرى تعالج مختلف القضايا الثقافية والتاريخية والعقائدية الإسلامية، وهذا المشروع يستهدف عامة الناس، وهناك من يستهدف النخب، ومثال ذلك ما ذكره سماحة الشيخ محمد السند في إحدى محضراته حيث تكلم عن مشروع قام به كبير علماء قرية (لار) في إيران وهو سماحة السيد مجتبى اللاري حيث يقوم بحصر أسماء الأعيان في الثقافة في كل بلد ويرسل لهم من علوم أهل البيت (ع) ما يناسب تخصصهم ومترجماً بلغتهم، وقد أرسل الصحيفة السجادية لأحد أساقفة المسيحيين في أحد البلدان الأوربية وأعجب بها وقال إنها أفضل من الإنجيل الموجود عندهم، كذلك قام المرحوم المرجع الراحل السيد شهاب الدين المرعشي النجفي بإرسال نسخة من الصحيفة السجادية للمرحوم الشيخ الطنطاوي المفسر المصري المعروف فأعجب بها ولم يكن قد سمع بها قبل ذلك – رغم أن الطنطاوي معروف بأنه عالم موسوعي وكثير الإطلاع- أما لماذا لم يسمع بها فذلك لأن هناك تعتيم وتكتيم على تراث أهل البيت (ع) من جهة، وهناك تقصير من أتباع أهل البيت (ع) في نشر تراثهم للعالم.

Wapher
del.icio.us