الذكريات
abumuntadhar @ 08:35الذكريات
ودورها في الترابط الاجتماعي
بقلم: السيد هاشم الموسوي
من الملاحظ أن مجتمعنا يهتم بالاحتفال بالذكريات، وقد تكون هذه الذكريات حزينة وقد تكون ذكريات فرح، ولم يكن هذا الأمر متداولاً في أزمان ٍ سابقة على نطاقٍ واسع كما هو الحال في زماننا هذا. وسأطرح في هذا المقال وجهة نظري حول هذا الموضوع، مبيناً ما هو إيجابي وما هو سلبي – حسب نظري القاصر- ، مع التنويه أننا عندما نستخدم لفظة عيد في بعض المناسبات مثل عيد الميلاد أو عيد الشجرة أو غير ذلك إنما نستخدمها بمعناها اللغوي بمعنى اليوم الذي نفرح فيه، لأن العيد لغةً يعني مشتق من العود، وهو الرجوع والمعاودة، لأنه يتكرر في كل عام، ولا نستخدم هذه الكلمة بمعناها الديني الاصطلاحي لأن الأعياد الشرعية عند المسلمين معروفة.
عيد الميلاد أم العقيقة؟
من الواضح أن عيد الميلاد للأطفال عادةٌ لم تكن موجودة من قبل، ولقد سمعت بعض الأفاضل من العلماء يؤكدون على إحياء العقيقة التي تستحب للمولود، وهو أمرٌ ينبغي علينا إحياؤه باعتباره إحياءً للسنة أهل البيت عليهم السلام، ولا ينبغي علينا أن ننشغل بعيد الميلاد بدلاً من إحياء العقيقة. ولكن عيد الميلاد يتميز بحضور الأطفال وفرحهم بمناسبة ذكرى ولادة أحدهم، ويتكرر هذا الحضور في كل عام، وهذا الحضور يوفر أجواءً من المرح والفرح في أوساطهم، وأعتقد أن لا تعارض بين عيد الميلاد وبين العقيقة، وبمعنى آخر أن التزامنا بإحياء سنة العقيقة لا تلغي بالضرورة إقامة عيد ميلاد، ولكن هناك أمور نستطيع أن نغيرها في جوهر هذه المناسبة، نستطيع أن نقدِّم أنشودة إسلامية بكلمات رائعة وبصوت رنـَّان، تربط أطفالنا بالإسلام بدلاً من النسخة الأجنبية، "هابي بيرث ذي تو يو" HAPPY BIRTH DAY TO YOU، وهذه دعوة موجهة لشعراء الدرجة الأولى ولرواديد الدرجة الأولى، وأخص بالذكر المحبوبين لدى الأطفال من أجل صياغة أنشودة لعيد الميلاد تتضمن كلمات الفرح الهادف، وتأصيل الفكر الإسلامي لدى الأطفال، كما ينبغي علينا أن نبدأ الاحتفال بتلاوة آيات القرآن الكريم ولو من قصار السور لنضفي الجوَّ الإسلامي على هذه الذكرى السعيدة.
عيد التكليف
من الظواهر الاجتماعية الممتازة إقامة مهرجان عيد التكليف، حيث يتجمع المكلفون والمكلفات في مهرجان، قد يصاحبه دورات وإرشادات للمكلفين والمكلفات في كيفية التعامل مع هذه المرحلة من العمر، ويساهم هذا المهرجان وهذه الأجواء الاحتفالية ببيان الكثير من الواجبات الشرعية، ولولا هذا المهرجان قد لا يشعر المكلف بما يجب عليه من أمور إذا كـُلِّم في زاوية من زوايا البيت، وبصورة منفردة من قبل والديه.
ذكريات القادة والعظماء
قد تكون الذكرى مرتبطة بشخصية علمية أو قيادية، ونقف عند هذه الذكريات متأملين في صفحات التاريخ، ومستلهمين من سيرة العظماء، وتاريخنا يزخر بهذه الذكريات كالمبعث النبوي الشريف والهجرة النبوية الشريفة إلى ذكرى الإسراء والمعراج وذكرى معركة بدر، مروراً بمواليد الأئمة ووفياتهم، وربما يتميز الشيعة بعلاقة وثيقة مع عظمائهم أكثر من غيرهم، فنلاحظ أنَّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر قد مرَّ على استشهاده أكثر من عقدين ونصف، ولا زال الشيعة يحيون ذكرى استشهاده، كما أن حزب الله – لبنان – يهتم بإحياء ذكرى أسبوع الشهداء القادة، السيد عباس الموسوي والشيخ راغب حرب وعماد مغنية في كل عام باحتفال جماهيري غفير، بل إنَّ إسرائيل تحسب حسابها عندما تمر ذكرى معينة وتتوقع أن تحصل عملية بمناسبة هذه الذكرى.
يوم المرأة المسلمة
هناك تاريخ اتفق عليه على أن يكون يوم المرأة العالمي وهو يوم 8 آذار/مارس من كل عام، ولاهتمام الإمام الخميني رحمه الله تعالى بالمرأة المسلمة، أحبَّ أن يميِّزها بيوم من أيام السنة، فاختار لها يوم ولادة فاطمة الزهراء عليها السلام ليكون يوماً للمرأة المسلمة، لتقف هذه المرأة وتضع النموذج أمامها، وتسعى ما استطاعت، في أن تسلك هذا المسار، وتعرج هذا العروج السامي نـحو عالم الزهراء (ع)، حيث الطهر والصفاء والتقوى والإيمان والهادفية بأعلى درجاتها الإنسانية.
يوم القدس العالمي
واختار الإمام الخميني رحمه الله يوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، فشهر رمضان خير الشهور، ويوم الجمعة خير أيام الأسبوع، والعشرة الأواخر خير أيام شهر رمضان، فكأنَّ الإمام الخميني يريد أن يقول اجعلوا القدس في قمة أولوياتكم باختياره لهذا التاريخ المتميز، وقد خرج على المألوف؛ لأن الجمعة الأخيرة من شهر رمضان لا تلتزم بتاريخ محدد، ولكن كان للاختيار حكمته، وللسيد الإمام بعد نظره، وإذا قال قائلُ أن كل يوم من أيام السنة هو يوم للقدس، ولا داعي لتحديد يوم للقدس، نقول إنَّ يوم القدس يحثنا على أن تكون أيامنا كلها للقدس، وأن نبذل جهدنا ونـحشد قوانا ونوحد الصرخة ضد الغاصبين الصهاينة في هذا اليوم ليتردد صداها في كل أيام السنة.
أيام أخرى
هناك أيام تسلط الضوء على بعض الشرائح الاجتماعية مثل (يوم العمال) أو (يوم المعلم)، و هناك ما يتعلق بالمحافظة على البيئة مثل (يوم الشجرة) أو (أسبوع الشجرة)، وهناك ما يتعلق بالثقافة مثل (يوم الكتاب العالمي)، وكذلك تحتفل الدول بالعيد الوطني لتقف على الانجازات وما يحتاجه الشعب في هذه البلاد، وبالبعض يحتفل بذكريات لها علاقة بالترابط الأسري، مثل عيد الأم وعيد الزواج ، والمقام لا يسمح بسرد كل الاحتفالات.
شعار العام
وللمجلس الإسلامي العلمائي تجربة جيدة في هذا المجال حيث يركز في كل عام على شعار يختاره، ويسلط الضوء عليه، وتمنيت لو كان التعاون من قبل المؤسسات الاجتماعية والثقافية بصورة أوسع مع المجلس من أجل تحقيق الشعار المرفوع بصورة أفضل مما هي علي الآن.
الذكرى... فرصة للتأمل
أعتقد أن إحياء هذه الذكريات تعطي الإنسان فرصة للتأمل ولفت أنظار المجتمع، وتحشيد القوى تجاه قضية معينة، وأنها الذكرى تمثل آلية جيدة لضخ المزيد من الاهتمام الاجتماعي، ومحاسبة المجتمع لنفسه تجاه قضية من القضايا، وهي من الأمور الحضارية التي نستطيع أن نستثمرها في تنمية مجتمعنا على جميع الصعد.

Wapher
del.icio.us
ليس هناك تعليقات »
ترك تعليق