حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

في زمن انفجار المعلومات
نختار ثقافة التخصص أم ثقافة التعدد؟
بقلم: السيد هاشم الموسوي

التخصصات العلمية في زماننا
لا يمكن للرجل أن يكون أمة بدون علم، وفي هذا الزمان أصبح التخصص سمة بارزة في الثقافة والعلم، فلا يكفي الطبيب أن يتخصص في الطب، بل هناك من يتخصص في طب العيون، وفي القرنية من طب العيون، وربما في جزء معين من القرنية، ولا يكفي أن يتخصص الإنسان في اللغة العربية، بل في البلاغة – مثلاً- والبلاغة أقسام فيتخصص في علم المعاني، ويأخذ جزئية صغيرة من علم المعاني ويركز عليها في دراسته... وهكذا.

زمن العلماء الموسوعيين
يقول البعض أن زمن " العلماء الموسوعيين" قد ولَّى، لقد مضى ذلك الزمن الذي يكون فيه العالم عالماً في الفقه والتفسير واللغة العربية وعلم الفلك وعلم الطب وعلم الفلسفة وعلم التاريخ ... الخ، ولا مجال لشخص أن يدعي لنفسه هذا الإدعاء في هذا الزمن، فينبغي علينا أن نرفض الموسوعية في الثقافة للشخص الواحد؛ لأنه سيشتت فكره، وسيكون ضعيفاً في كل هذه العلوم.

إيجابيات التخصص
لا أحد ينكر إيجابيات التخصص، فالتخصص يمكِّن الإنسان من أن يتعمق في علم من العلوم، ويستفيد من معلوماته العميقة في خدمة الشريحة المستفيدة من هذا العلم بأعلى المستويات، والعلم يزداد في زماننا ليس بالسنة أو الشهر بل باليوم والدقيقة فيحتاج إلى متابعة دقيقة ومتخصصة.

التطرف في تأييد التخصص
ذكرنا إيجابية التخصص، ولكن مقولة " زمن العلماء الموسوعيين قد ولَّى" فيها الكثير من التطرف، مطلوب منا أن نتخصص في علم من العلوم ونتعمق فيه، ولكن هناك شخصيات لها قابلية الانفتاح على أكثر من علم، وتعدد تخصصات العلم ضروري لها، و هذه الشخصية قد لا تعلم بوجود قابلية لها في تخصص آخر، ودخولها في المجال الآخر هو الذي يتيح لها اكتشاف إبداعاتها في هذا المجال.

التخصص يؤدي إلى التقوقع
إذن إيمان الإنسان بالتخصص، وأن عليه إذا دخل في باب علمي أن يغض الطرف عن باقي الأبواب يعتبر تقوقعاً وانـحساراً، لأن الله تعالى قد أودع الإنسان طاقات كثيرة، وإيمانه بالتطرف في تفسير التخصص، قد يحرمه من تفجير طاقات كثيرة له في جوانب أخرى غير تخصصه، وقد يجهل الإنسان أن نجاحه في غير تخصصه قد يكون أكثر من تخصصه، يعني لو فتح له باب في التخصص (ب) الذي هو ليس تخصصه الحالي قد يبدع فيه أكثر من التخصص (أ) الذي هو تخصصه الحالي.

السيد الصدر – نموذجاً –
لو آمن السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سرُّه) بالتطرف في التخصص، وقال إني عالم وفقيه فعليَّ الاقتصار على الفقه، لما ألف كتب (اقتصادنا) و (فلسفتنا) و (الأسس المنطقية للاستقراء) وغيرها من الكتب في غير المجال الفقهي التخصصي، وكانت كتابته هذه تحتم عليه الاطلاع على ثقافات أخرى وإبراز وجهة النظر الإسلامية تجاه هذه الثقافات الوافدة، وكان ذلك يستلزم الخروج من قفص التخصص، والانطلاق نـحو آفاق تعدد الاختصاصات، ولو لم يكن الأمر كذلك لحرم الناس من أفكاره ونظرياته وآرائه التي أحدثت نقلة نوعية في أكثر من مجال.

عمر الخيام – نموذجاً-
عمر الخيّام كان من علماء الرياضيات، واشتهر بعلم الجبر واشتغل في تحديد التقويم السنوي للسلطان ملكشاه ، وهو التقويم الفارسي – المتبع في إيران إلى اليوم- وهو تقويم سنوي بالغ الدقة، وتولَّى الرصد في مرصد أصفهان، وهو أول من اخترع طريقة حساب المثلثات، ومعادلات جبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، وهو أول من استخدم الكلمة العربية (شي) التي رُسمت في الكتب العلمية الإسبانية xayوما لبث أن استبدلت بالتدريج بالحرف الأول منها x الذي أصبح رمزاً عالمياً للعدد المجهول. هذا العالم الكبير الذي كان غارقاً في الرياضيات و الحسابات وغيرها، هل يتبادر إلى الذهن أن يبدع في المجال الأدبي بتأليف رباعيات الخيام، التي اشتهرت في كل بلاد العالم وكان يكتبها في أوقات فراغه، فلو قال عمر الخيام أنني رياضي ولا شأن لي بالشعر، لما وجدت رباعيات الخيام ولحرم الناس منها.

اكتشف قدراتك
علينا أن نكتشف قدراتنا، وإن قولنا (نـحن لا نستطيع) هو بداية الفشل، أعتقدُ أننا لا نستفيد من كل الطاقات الكامنة عندنا، وقد يستطيع الكثيرون منا أن يبدعوا في مجالات شتى لو قالوا (نـحن قادرون-بإذن الله-) وآمنوا بهذه المقولة وأتبعوا هذه المقولة بالعمل. ومن هنا كان بعض العرب يقولون في مقام مدح الرجل (إنه رجلٌ كألف رجل).

خلاصة الكلام
القناعة التي توصلتُ لها في هذا الموضوع أن التخصص قد يصنع رجلاً عالماً عاملاً، والتعدد قد يصنع رجلاً عالماً عاملاً، وأن التخصص رغم إيجابياته لا يمكن أن يتم تطبيقه بتعسف على كل شخص، وكذلك التعدد رغم إيجابياته قد لا يناسب كل شخص، فمن المهم أن تعرف ما يناسبك في عالم الثقافة، هل التخصص أم التعدد؟

Wapher | del.icio.us

ليس هناك تعليقات »

ترك تعليق


<a href> <em> <blockquote> <strong> <cite> <code> <ul> <li> <dl> <dt> <dd>