حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

مواجهة الإلحاح بالإلحاح
بقلم: السيد هاشم الموسوي

من الأمور الخطيرة في قضية الشهوة هو إلحاحها على نفس الإنسان، وقد قيل للإمام زين العابدين (ع) : كيف أصبحت يا بن رسول الله ؟.. قال : "أصبحت مطلوباً بثمان خصال : الله تعالى يطلبني بالفرائض ، والنبي(ص) بالسنّة ، والعيال بالقوت ، والنفس بالشهوة ، والشيطان بالمعصية ، والحافظان بصدق العمل ، وملك الموت بالروح ، والقبر بالجسد ، فأنا بين هذه الخصال مطلوب " وما يعنيني من الحديث الرائع هو : " والنفس بالشهوة" وهذا الطلب ليس طلباً يمر مرور الكرام على الإنسان، وإنما تلح النفس عليه أيما إلحاح، وتعبير الإمام بـ "أصبحتُ"، يفيد أن هذه الأمور تحدث للإنسان في كل صباح وبشكل مستمر، فالشهوة حاجة من حاجات الإنسان التي تلح على نفسه بصورة مخيفة، حتى أنه لا يأمن من الضعف أمامها في لحظة من اللحظات، ,ومثل نفس الإنسان في ذلك مثل القلعة التي يحيطها جنود أشداء يريدون اقتحامها، وأي لحظة غفلة أو سهو تترك فراغاً للجنود المحيطين بهذه القلعة لاختراقها، وكلما كان البناء قوياً ومحكماً، وكلما كانت المراقبة دائمة، كانت الحماية أقوى، ولذلك فإن الإمام زين العابدين يستعيذ بالله من هذا الإلحاح ضمن سلسة من الأمور التي يستعيذ منها في دعائه في الاستعاذة من المكاره وسيء الأخلاق ومذام الأفعال، فيقول (ع) : (أَللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَـانِ الْحِرْصِ ، وَسَوْرَةِ الغَضَبِ وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ وضَعْفِ الصبر وَقِلَّةِ الْقَنَاعَةِ وَشَكَاسَةِ الْخُلُقِ ، وَإلْحَاحِ الشَّهْوَةِ". وليست الشهوة بمنفصلة عما ذكره الإمام قبلها ولا بما بعدها لو راجعنا نص الدعاء كاملاً، وقد يقع الكثير منا في المستنقع الذي يصعب الخروج منه، الذنب يجر الذنب حتى تتمكن الذنوب من القلب، فيصعب الخروج من المستنقع، وهنا لا بد من الإلحاح على الله تعالى في أن يخلِّصنا من هذا المستنقع، فالتوبة ليست بالسهولة التي نعتقدها بعد إدمان الذنب، وهذا الكلام لا يقع في سياق إحباط الناس من الإتجاه نـحو الله تعالى، وإنما يقع في سياق عدم التهاون في ارتكاب الذنب؛ لأن ارتكاب الذنب من المؤكد أنه يؤدي إلى سخط الله تعالى، وليس من المؤكد توفيق الإنسان للتوبة بعد الوقوع في الذنب، فقد يغضب الله على الإنسان غضباً يحرمه من التوفيق للتوبة، فيموت على معصيته، وترك الذنب يكون صعباً حين يتمكن من الإنسان ويجرى منه مجرى الدم في العروق، ومن هنا يحتاج الإنسان إلى الإلحاح في الدعاء في مواجهة إلحاح الشهوة، أن يلح على الله بالدعاء في تخليصه من عبودية الشهوة، وأن يشغله بالخير عن الشر، وأن يغنيه بالحلال عن الحرام، وأن يجعل أوقاته في الليل والنهار بذكره معمورة وبخدمته موصولة وأعماله عنده مقبولة، فإن لم يوفق، أعاد وألح على الله، وإن لم يوفق عاد وألح على الله، والله أكرم من أن يرد من يلح عليه ويعاود الإلحاح، خصوصاً وأن الإلحاح يتعلق بعودة العبد ورجوعه إلى التواب الرحيم، وكلما ألحت عليه شهوته ألح على ربه في أن يخرجه من عبوديتها، وسيغلب إلحاحه على ربه إلحاح شهوته، وقد ورد في دعاء الصباح: " إلهي كيف تطرد مسكيناً التجأ إليك من الذنوب هارباً، وكيف تخيِّبُ مسترشداً قصد إلى جنابك ساعيا، كلا وحياضك مترعة في ضنك المحول، وبابك مفتوح للطلب والوغول، وأنت غاية السؤل ونهاية المأمول" وفي دعاء الإمام الصادق(ع) عند دخول شهر رمضان المبارك، كما ورد في إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس : " وعزتك يا كريم لألحن عليك ، ولأطلبن إليك ، ولأتضرعن إليك ، ولأبسطنها إليك ، مع مااقترفتُ من الآثام ، يا سيدي فبمن أعوذ وبمن ألوذ ، كل من أتيته في حاجة وسألته فائدة ، فإليك يرشدني وعليك يدلني"

Wapher | del.icio.us

ليس هناك تعليقات »

ترك تعليق


<a href> <em> <blockquote> <strong> <cite> <code> <ul> <li> <dl> <dt> <dd>