السبات عن فضل المستحبَّات
abumuntadhar @ 04:54السبات عن فضل المستحبَّات
بقلم : السيد هاشم الموسوي
وتزودوا
يحتاج الإنسان إلى الزاد في مسيره إلى الله تعالى، وقد فرض الله على الإنسان واجبات لا بد من الإلتزام بها، وهناك مستحبات وسنن ينبغي على الإنسان أن يهتم بها لما لها من فوائد وآثار دنيوية وأخروية، وإهمالها يحرم الإنسان من الكنوز الثمينة التي يجنيها من يواظب على هذه المستحبات، ومن هنا لا بدَّ من التزود من التقوى من خلال البرامج الروحية والاجتماعية والمالية التي وضعها الإسلام ليحقق بها درجة عالية من تربية النفس عن طريق بعض المستحبَّات – فضلا عن الواجبات – قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) البقرة: (197) .
يوم التغابن
روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) :" إنه يُفتح للعبد يوم القيامة على كلّ يومٍ من أيام عمره ، أربعة وعشرون خزانة - عدد ساعات الليل والنهار - فخزانة يجدها مملوءةً نوراً وسروراً ، فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ، ما لو وُزّع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار ، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه . ثم يُفتح له خزانةٌ أخرى فيراها مظلمةً منتنةً مفزعةً ، فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع ، ما لو قُسّم على أهل الجنة لنغّص عليهم نعيمها ، وهي الساعة التي عصى فيها ربه ، ثمَّ يُفتح له خزانةٌ أخرى فيراها فارغةً ، ليس فيها ما يسّره ولا ما يسوؤه ، وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا ، فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكّناً من أن يملأها حسنات ما لا يوصف ، ومن هذا قوله تعالى : (ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)" . جواهر البحار، ص 262. فيوم القيامة هو اليوم الذي يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، فيتأسف ويتحسر على المباحات التي لم يحوِّلها إلى مستحبات، فضلاً عن حسرته على المحرمات والمعاصي، ان المؤمن يوم القيامة يقول ياليتني بذلت جهداً أكثر في طاعة الله تعالى، وحرصت على أداء المستحبَّات أكثر مما فعلت، ولو فعلت ذلك لكانت درجتي عند الله أكبر.
الإدمان على المستحب
المستحبات بعضها مريح وغير متعارض مع هوى النفس، ويستطيع الإنسان أن يداوم عليه بدون مشقة، على سبيل المثال: السحور في شهر رمضان مستحب، وإجابة دعوة أخيك على مائدة الطعام مستحب، مثل هذه المستحبات يمكن تحقيقها بسهولة، ولكن هناك مستحبات تحتاج إلى جهاد النفس، فقيام الإنسان في الليل والحرمان من النوم بعد يوم حافل بالعمل والجهد يحتاج إلى عزيمة وإصرار، قال تعالى : (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ) المزمل:(6)، والوضوء المستحب في البرد القارس أيضاً ثقيل على النفس، ولكن حتى المستحبات التي تكون فيها مشقة في البداية كالإلتزام بصلاة الليل أو صلاة الجماعة أو الطهارة الدائمة أو العمرة يجد الإنسان نفسه مع المداومة عليها أن نفسه تتقبلها بيسر وسهولة، ولذلك قال الله تعالى : (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) البقرة: (45) . ولذلك يقول بعض المؤمنين الذين أدمنوا على الطهارة الدائمة أنه يشعر بحالة من الضيق والاشمئزاز بمجرد بطلان وضوئه، فيبحث بسرعة عن الماء لكي يجدد وضوءه، وكذلك يقول بعضهم أنه إذا لم يوفق لصلاة الجماعة فإنه يشعر بنقصان شيء ما ويشعر بحالة من الوحشة.
إجازاتنا والمستحبات
في السنة لدينا إجازة سنوية، فهل نفكر في المستحبات كالعمرة وغيرها في قضاء هذه الإجازة، البعض يأخذ إجازته ليتفرغ لمشاهدة مباريات كأس العالم، والبعض للسفر هنا وهناك، فهل نفكر في زيادة رصيد ثوابنا من هذه المستحبات في الإجازة.
برنامج حافل
هناك برنامج حافل بذكر الله تعالى نقرأه في كتب الأذكار والأدعية والأوراد المأثورة، وللإلتزام بالمستحب تأثير روحي عجيب خصوصاً وإنا أثناء العمل نستحضر نية القربى إلى الله تعالى، وقد وضع الإسلام نظاماً دقيقاً للإنسان بحيث يذكر الله على كل حال، فجاءت الآيات الكثيرة والروايات المتضافرة التي تؤكد على أهمية الذكر الدائم، حتى أننا نجد أوراداً مأثورة أثناء لبس الثوب والنعل، والخروج من المنزل والدخول فيه، ودخول الخلاء، وأثناء الوضوء، والدخول في المسجد والخروج منه، والذكر في المسجد، والدعاء عند الإقامة وبعد أذان الفجر، وقبل تلاوة القرآن وبعدها، حتى حركة الزمان مرتبطة بأوراد فهناك أوراد خاصة بما بين الطلوعين، وأوراد خاصة بطلوع الشمس وزوالها وغروبها، وأوراد خاصة بالنوم وبالاستيقاظ، ولمن يفزع في منامه، كما أن هناك أوقات خاصة لاستجابة الدعاء منها عند هبوب الرياح وزوال الأفياء، ونزول القطر، وأول قطرة من دم القتيل المؤمن، وليلة الجمعة، وأذكار لرفع الهم والحزن وأخرى للنجاة من الظالمين، وأخرى لمعالجة الأمراض النفسية والجسدية، وأوراد عند الاحتضار، وإذا سمع المؤمن بموت صاحبه، وإذا مرت به الجنازة وبعد الدفن، وإذا رأى الهلال، وفي الليالي المباركة كليلة القدر والنصف من شعبان والأعياد، وأوراد خاصة بأيام عاشوراء، والأذكار المرتبطة بزيارة مراقد المعصومين، والأذكار الواردة عند الصوم والإفطار، وعند الطعام بصورة عامة، وعند شرب الماء، وعند الزواج والرزق بالمولود، واستحباب ترديد أسماء الله الحسنى ودعاؤه بها، أذكار لطلب الرزق وأداء الدين، ولقوة الحافظة، والأدعية اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية. هذا بعض ما يختص بالأذكار فضلاً عن المستحبات الأخرى.
التأثير الاجتماعي
مما لا شكَّ فيه أن للمستحبات أثر اجتماعي كبير على المجتمع، وفرق بين شخص يواظب على المستحب وآخر لا يواظب، وبين مجتمع ملتزم بالمستحبات وآخر غير ملتزم بها، والكلام ليس عن كل المستحبات بل هناك فرق بين مجتمع يحافظ على مستحب واحد وهو صلاة الجماعة ومجتمع لا يحافظ عليها، أضف إلى ذلك الالتزام بالصدقة المستحبة ودورها في إنعاش حالة الفقراء والمتعففين، ومساعدة المحتاجين بكل أشكالها، بل حتى الابتسامة وإدخال السرور على قلب المؤمن وزيارة المريض والتشجيع على كل عمل خيري، يصب في هذا المصب، ويمكن زيادة الكوادر العاملة في ميدان التطوع من خلال بيان الأثر العظيم للمستحب في الدنيا والآخرة.
الفاعلية والمبادرة
إذا تربى الإنسان على المحافظة على المستحبات تراه إنساناً مبادراً ومسارعاً للخيرات، يعمل بتفانٍ وإخلاص، فلا ينتظر الفقير ليأتي على باب بيته ويطرقه بل يبادر في البحث عن الفقير ويعينه، وإذا كان عالماً لا ينتظر الجاهل أن يطلب منه ترتيب حلقة دراسية بل يبادر بالانفتاح على الجاهل ويعرض عليه بضاعته ويندفع بكل ما أوتي من قوة للمشاركة في بناء المجتمع. ومن النصوص القرآنية التي تحثنا على هذا العمل الخير قوله تعالى : " فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ" البقرة:148، وقوله تعالى : (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)آل عمران : 133، وقوله تعالى : (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الحديد: (21) ، ومثل هذه النصوص لا تنسجم مع من يعيش حالة الكسل ولا يتحرك إلا بالحث ولا يعمل إلا إذا طـُلبَ منه ذلك، بل هو يبادر ويتحرك وينافس ويسابق ويسارع إلى رضوان الله، يبحث عن مكان يرضي الله فيحرص عليه ويتجنب مكاناً يغضب الله ويبتعد عنه.
جهاد البناء
تجربة رائدة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفي لبنان، جهاد البناء، جميل أن يكون البناء مرتبط بمفهوم ديني، فيكون البناء جهاداً بالبذل من أموالنا وتسخير طاقاتنا الهندسية وأيدينا العاملة وكودارنا الشابة في تخفيف المعاناة عن المحرومين، وفي زيارتي للبنان قرأت عبارة أعجبتني كثيراً وهي بما معناه : " نحارب بيدٍ ونعمِّر بالأخرى".
القلة والكثرة
هل المهم هو الكم ام الكيف في المفهوم الإسلامي؟ وهل هناك جهد مهمل في المنظور الإسلامي للعمل؟ طبعاً بالنفي، ليس هناك جهد نبذله ويكون لا قيمة له ولا أهمية في ميزان أعمالك، والدليل على ذلك قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَه) الزلزلة:7،8 ، إذن كل جهد مبارك وكل حركة إيجابية مقدرة عند الله تعالى مهما صغرت، حتى لو كانت ابتسامة أو إماطة الأذى عن طريق المسلمين أو صدقة بسيطة، ولكن هذا لا يبرر أن تكون أعمالنا بسيطة بل نسعى لأن تكون كثيرة ونوعية ومؤثرة مع عدم إهمال الأمور البسيطة أيضا، وبمعنى آخر الكم مطلوب أيضاً وبقوة ولكن بضميمة النية الصالحة والقرب من الله والإخلاص في العمل.
أبناؤنا والمستحب
جميل جداً أن يتربى أبناؤنا على حب المستحب فنصطحبهم معنا إلى الجماعة والجمعة، ونغرس فيهم حبَّ الصدقة من خلال حصالة نضعها في البيت ونطلب منهم أن يضعوا فيها المال، وأن نبدأ بالبسملة قبل الطعام جميعاً وننتهي بالحمد، وإذا عطس ولدي أن أقول له " يرحمك الله" فيتعلم الولد الكثير من الأمور من خلال تربيته وتشجيعه على فعل المستحب، والحمد لله فإن هناك شرائح في المجتمع تثلج الصدور من خلال برامج عملية ومنظمة منها على سبيل المثال حملات تنظيف بيوت الله تقوم بها مجموعة طيبة من الكشافة الملتزمين.
لا يفوتك
هناك مستحبات لم نوفق لعملها، فالكثير منا لم يوفق لأداء صلاة جعفر الطيار، وكذلك الكثير منا لم يصلي صلاة نافلة الظهر أو العصر، ما يضرنا لو ألزمنا أنفسنا بصلاة إحدى وخمسين ركعة واجبة ومستحبة ولو ليوم واحد في حياتنا، وأعتقد أن شهر رمضان أنسب وقت لهذه التجربة.
التذكير بالمستحب
ولأن الدال على الخير كفاعله من الضروري أن نتواصى فيما بيننا ويذكر بعضنا بعضاً بهذه المستحبات، وبارك الله في بعض أئمة الجماعة الذين يحرصون على تذكير المصلين بهذه المستحبات، وبمن يذكر بمنشور مكتوب أو رسالة هاتفية، وغير ذلك.

Wapher
del.icio.us
ليس هناك تعليقات »
ترك تعليق