حرر مدونتك

أنشئ مدونتك الآن! بشكل سهل و مجاني

شهر رمضان
بين الوداع ومراجعة الرصيد
بقلم : السيد هاشم الموسوي

الحب والعشق يكون بين حبيبين من ذوي الشعور والإحساس كالأم وابنها، أو الزوجة وزوجها، أو الصديق وصديقه، أو العبد وربه، ويعيش الإنسان أحلى لحظات حياته مع محبوبه، وقد تفرض الظروف على أحد الحبيبين أن يبتعد عن الآخر، وفي مثل هذه الحالات نرى أن الحبيب يعيش قمة الشعور والعاطفة، حتى أن الشعراء يجودون بأفضل ما لديهم من شعر في مثل هذه الحالات، الفراق والوداع أمر عظيم على من يعرف قدر المحبوب، وقد يرتبط هذا الحب بمكان كما لو ارتبط بـحج المؤمن للكعبة المشرفة، حيث يشعر أن محبوبه يحب أن يراه في هذا المكان، ولذا نرى أن المؤمن يودع الكعبة وداعاً مؤلماً يتحسر فيه على فقد تلك الأجواء الربانية في هذه البقعة المقدسة التي يفوح منها عبق الأنبياء وتطبع على ثراها خطوات الأولياء وتتردد على جدرانها أصداء " لا إله إلا الله"، وقد يرتبط الحب بزمان ما، ولا نرى مثالاً أجلى وأحلى وأغلى من شهر رمضان الذي اختاره الله ليكون شهراً للتوبة والغفران والاستجابة والانقطاع والتحليق في سماء القرب الإلهي، شهر يحب الله أن يرى عباده فيه يتضرعون ويتحملون الجوع والعطش في طاعته، ويتحلون بالورع والتقوى امتثالاً لأمره.

هذا فراق بيني وبينك
ينقل تفسير الأمثل عن أبي الفتوح الرازي أنه قال" ورد في الخبر أن موسى عندما سئل عن أصعب ما لاقى من مشكلات في طول حياته أجاب قائلاً لقد واجهت الكثير من المشاكل ( إشارة إلى ما لاقاه من فرعون وما عاناه من بني إسرائيل ولكن لم يكن أياً منها أصعب وأكثر ألما على قلبي من قرار الخضر في فراقي إياه). وبشيء من التأمل في هذه الرواية نعرف خطورة وأهمية الفراق للحظة من لحظات القرب التي تتميز عن باقي اللحظات بنفحات قدسية وفيوضات ربانية، ما أعظم ما لاقى موسى من فرعون وبني إسرائيل، ولكن معرفة موسى بأهمية العلم وعظمة الأستاذ ( الخضر) جعل لحظة الفراق بينه وبين الخضر تحتل هذه المكانة العظيمة في نفسه الواعية وروحه السامية، ونحن لن نعيش ألم فراق وداع شهر رمضان ما لم نعرف ونعايش عظمته التي تتجلى في خطبة النبي في استقبال شهر رمضان، وكذلك في دعاء وداع شهر رمضان للإمام زين العابدين حيث يقول: (أللَّهُمَّ وَأَنْتَ جَعَلْتَ مِنْ صَفَـايَـا تِلْكَ الْوَظَائِفِ وَخَصَائِصِ تِلْكَ الْفُرُوضِ شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي اخْتَصَصْتَهُ مِنْ سَائِرِ الشُّهُورِ، وَتَخَيَّرْتَهُ مِن جَمِيعِ الأزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، وَآثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالنُّورِ، وَضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الإيْمَانِ، وَفَرَضْتَ فِيْهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ القِيَامِ، وَأَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، ثُمَّ آثَرْتَنَا بِهِ عَلَى سَائِرِ الاُمَمِ وَاصْطَفَيْتَنَا بِفَضْلِهِ دُوْنَ أَهْلِ الْمِلَلِ، فَصُمْنَا بِأَمْرِكَ نَهَارَهُ، وَقُمْنَا بِعَوْنِكَ لَيْلَهُ مُتَعَرِّضِينَ بِصِيَامِهِ وَقِيَامِهِ لِمَا عَرَّضْتَنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِـكَ، وَتَسَبَّبْنَا إلَيْـهِ مِنْ مَثُوبَتِكَ، وَأَنْتَ الْمَليءُ بِمَا رُغِبَ فِيهِ إلَيْكَ، الْجَوَادُ بِمـا سُئِلْتَ مِنْ فَضْلِكَ، الْقَـرِيبُ إلَى مَنْ حَـاوَلَ قُرْبَكَ).

هل سيرجع الحبيب؟
قلنا أن الفراق صعب، ولكن الأصعب عندما لا يعلم المحب أن محبوبه سيرجع إليه أم لا، فرق بين من يسافر ليدرس عدة سنوات ويرجع، وبين المخطوف الذي لا يعلم أهله هل هو حيٌ أم لا؟ فراقنا لشهر رمضان هو من النوع الثاني، فنحن لا ندري أنرجع إلى شهر رمضان مرة أخرى أم ستكون هذه الأيام هي الأيام الأخيرة التي ننعم فيها ببركة هذا الشهر الكريم، ولا نـحصل في العام القادم منه إلا على دعاء من مؤمن " اللهم أدخل على أهل القبور السرور" فهل ستتكرر هذه الفرصة مرة أخرى أم أنها الأخيرة؟ يقول الإمام الصادق (ع) في دعاء وداع شهر رمضان : " اللّـهُمَّ وَأَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ وَطَولِكَ وَعَفْوِكَ وَنَعْمائِكَ وَجَلالِكَ وَقَديمِ إحْسانِكَ وَاِمْتِنانِكَ أنْ لا تَجْعَلَهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّا لِشَهْرِ رَمَضانَ حَتّى تُبَلِّغَناهُ مِنْ قابِلٍ عَلى أحْسَنِ حالٍ".

اللحظات الأخيرة
كما أن في اللحظات الأخيرة في المباريات الرياضية دور حاسم في قلب نتيجة المباراة، كذلك في اللحظات الأخيرة في شهر رمضان أيضاً دور حاسم في تغيير مصير الإنسان، وكما أن اللاعبين يبذلون قصارى جهودهم في نهاية المباراة، نرى العابدين أيضاً تنشط جوارجهم وتقوى جوانحهم في نهاية شهر رمضان المبارك، إنها لحظات تشبه توديع الإنسان للحياة، ماذا يقول الإنسان في لحظة الاحتضار؟، يختصر كل ما يريده في عبارة مركزة ومهمة، ونحن في لحظات التدارك والاستدراك، نـحاول أن نعالج أي خلل أو غفلة أو ذنب، لكي لا تنقضي المدة، وما أتعس من سمع صفارة انتهاء المدة، وشاهد هلال شوال، وهو لم يغفر له ( الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم) ولذلك نـحن مدعوون كما علَّمنا أهل البيت (ع) أن نتدارك هذا الأمر قبل فوات الأوان، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام :قَالَ "مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِلَى قَابِلٍ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَرَفَةَ" 0وفي دعاء الإمام الصادق في وداع شهر رمضان: "وَهذا شَهْرُ رَمَضانَ وَقَدْ تَصَرَّمَ فَأسْأَلُكَ بِوَجْهِكَ الْكَريمِ وَكَلِماتِكَ التّامَّةِ إنْ كانَ بَقِيَ عَليَّ ذَنْبٌ لَمْ تَغْفِرْهُ لي أَوْ تُريدُ أنْ تُعَذِّبَني عَلَيْهِ أوْ تُقايِسَني بِهِ أنْ يَطْلَعَ فَجْرُ هذِهِ اللَّيْلَةِ أوْ يَتَصَرَّمَ هذَا الشَّهْرُ إلا وَقَدْ غَفَرْتَهُ لي يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ".

تجسيد الحب
في دعاء الإمام زين العابدين في وداع شهر رمضان يتكلم عن هذه الفترة الزمنية وكأنها رجل له خصائص البشر فهو صاحب بار، وتاجرٌ مربِّح، وأنيس للقلوب، يقول الإمام (ع): (وَقَدْ أَقَامَ فِينَا هَذَا الشَّهْرُ مَقَامَ حَمْد وَصَحِبَنَا صُحْبَةَ مَبْرُور، وَأَرْبَحَنَا أَفْضَلَ أَرْبَاحِ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ قَدْ فَارَقَنَا عِنْدَ تَمَامِ وَقْتِهِ وَانْقِطَاعِ مُدَّتِهِ وَوَفَاءِ عَدَدِهِ، فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وِدَاعَ مَنْ عَزَّ فِرَاقُهُ عَلَيْنَا وَغَمَّنَا وَأَوْحَشَنَا انْصِرَافُهُ عَنَّا وَلَزِمَنَا لَهُ الذِّمَامُ الْمَحْفُوظُ، وَالْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّةُ، وَالْحَقُّ الْمَقْضِيُّ) ثم يسترسل بوصف خصائص هذه الشهر قائلاً: ( فَنَحْنُ قَائِلُونَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا شَهْرَ اللهِ الأكبر، وَيَا عِيْدَ أَوْلِيَائِهِ. السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَـا أكْرَمَ مَصْحُـوب مِنَ الأوقات، وَيَا خَيْرَ شَهْر فِي الأيام وَالسَّاعَاتِ. السَّلاَمُ عَلَيْكَ مِنْ شَهْر قَرُبَتْ فِيهِ الآمال وَنُشِرَتْ فِيهِ الأعمال). ثم يسترسل (ع) في وصف هذه الخصائص وهو يكرر ( السلام عليك) فهو يودع حبيباً قد أفجعه وأوحشه فراقه.
الاعتراف بالتقصير
الاعتراف بالتقصير أمر في غاية الأهمية، حيث أن الإنسان العامل والمجتهد مقصر، فضلاً عن الإنسان المذنب والعاصي، والتأدب مع الخالق يقتضي أن نعترف بالتقصير، فمهما بذلنا من جهد أو تعبدنا وتصدَّقنا وخدمنا المؤمنين، فإن هذا في جنب نعم الله لا يساوي شيئاً، ولذلك فإن الإمام زين العابدين يركز على هذا الجانب حتى لا يأخذ بعضنا الغرور والعجب فتأتي نيرانه على أعماله فتحرقها ولا تبقي منها شيئاً، ويؤكد أيضاً على أهمية توفيق الله للعبد في أمور الطاعة ولولا هذا التوفيق لما اهتدى العبد إلى شيء من الطاعة، يقول الإمام (ع) في نفس الدعاء: (أَللَّهُمَّ إنَّا أَهْلُ هَذَا الشَّهْرِ الِّذِي شَرَّفْتَنَا بِهِ وَوَفّقتَنَا بِمَنِّكَ لَهُ حِينَ جَهِلَ الأشقياء وَقْتَهُ وَحُرِمُوا لِشَقَائِهِم فَضْلَهُ، أَنْتَ وَلِيُّ مَا آثرتنا بِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَهَدَيْتَنَا مِنْ سُنَّتِهِ، وَقَدْ تَوَلَّيْنَا بِتَوْفِيقِكَ صِيَامَهُ وَقِيَامَهُ عَلى تَقْصِير، وَأَدَّيْنَا فِيهِ قَلِيلاً مِنْ كَثِيـر. اللَّهُمَّ فَلَكَ الْحمدُ إقْـرَاراً بالإساءة وَاعْتِرَافاً بالإضاعة، وَلَك مِنْ قُلُوبِنَا عَقْدُ النَّدَمِ، وَمِنْ أَلْسِنَتِنَا صِدْقُ الاعْتِذَارِ، فَأَجِرْنَا عَلَى مَا أَصَابَنَا فِيهِ مِنَ التَّفْرِيطِ أَجْرَاً نَسْتَدْركُ بِهِ الْفَضْلَ الْمَرْغُوبَ فِيهِ، وَنَعْتَاضُ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الذُّخْرِ الْمَحْرُوصِ عَلَيْهِ، وَأَوْجِبْ لَنَا عُذْرَكَ عَلَى مَا قَصَّرْنَا فِيهِ مِنْ حَقِّكَ).
مراجعة الرصيد
من الناس من يدخل في شهر رمضان بـ 40 درجة ويخرج منه بـ 60 درجة وفي شهر شوال يرجع إلى الـ 40 درجة إلى بداية شهر رمضان في العام القادم فيرتفع كالعادة إلى 60 درجة، ومثل هؤلاء لا يضيف إليهم شهر رمضان شيئاً؛ فهم كالذي يخطو خطوة ويتراجع خطوة ولو بقي على مثل هذه الحالة آلاف السنين فإنه لن يصل إلى أي مكان يريد، وسيبقى يراوح في مكانه لو مرَّ عليه ألف رمضان، أما الذي يدخل بـ20 درجة و يخرج بـ 40 درجة ثم يحافظ عليها – على أقل تقدير – إلى رمضان القادم ويدخل بـ 40 ويخرج بـ 60 ثم في العام الذي بعده يدخل بـ60 ويخرج بـ 80 ففي هذه الحالة يكون بون شاسع في جني ثمار شهر رمضان بين عام 1425 وبين 1430. عن الإمام علي (عليه السلام) : ( من تساوى يوماه فهو مغبون ، ومن كان أمسه خيرا من يومه فهو ملعون، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقيصة ، ومن كان في نقيصة فالموت خير له من الحياة ) . فإذا كان هذا الكلام عن الأيام فما بال السنين والأحقاب؟

درس حب العبادة
من الدروس التي نستفيدها من شهر رمضان هو درس حب العبادة، ففي شهر شوال لا ينقطع المؤمن عن صلاة الليل التي تعوَّد عليها في شهر رمضان، ولا عن الصيام المستحب الأسبوعي والشهري ولا عن صلة الأرحام أو تلاوة القرآن، فإذا ترك كل هذه الأمور بمجرد خروج الشهر فليراجع نفسه لمعرفة الخلل، وليعلم أن الطالب المجتهد يتعلم دروسه طيلة العام ويكثف مراجعته أيام الامتحانات، أما الطالب الكسول فيهمل دراسته طوال العام، ويبحث عن ( البراشيم) أيام الامتحانات، وما نحتاجه هو الاجتهاد في الطاعة طوال العام ومضاعفة الجهود والطاعات في موسمها وهو شهر رمضان.

Wapher | del.icio.us

ليس هناك تعليقات »

ترك تعليق


<a href> <em> <blockquote> <strong> <cite> <code> <ul> <li> <dl> <dt> <dd>